مدارج السالكين

ويتصدَّق، ويخاف أن لا يقبل منه»١٢. فالمؤمن: جمع إحسانًا في مخافةٍ وسوءَ ظنٍّ بنفسه، والمغرور: حسن٣ الظنِّ بنفسه مع إساءته.

الثاني: (توفير الجهد باحتمائه من الشُّهود)، أي تأتي بجهد الطاقة في تصحيح العمل، محتميًا عن شهوده منك وبك.

الثّالث: أن تحتمي بنور التوفيق الذي ينوِّر الله به بصيرة العبد، فترى في ضوء ذلك النُّور أنَّ عملك من عين جوده، لا بك ولا منك.

فقد اشتملت هذه الدرجة على خمسة أشياء: عمل، واجتهاد فيه، وخجل وحياء من الله فيه، وصيانة عن شهوده منك، ورؤيته من عين جود الله ومنَّته.

(الدرجة الثالثة: إخلاص العمل بالخلاص من العمل، تدعه يسير سير العلم. وتسير أنت مشاهدًا للحُكم حرًّا من رقِّ الرسم)٤.

قد فسَّر مراده بإخلاص العمل من العمل بقوله: (تدعه يسير سير العلم وتسير أنت مشاهدًا للحكم). ومعنى كلامه: أنَّك تجعل عملك تابعًا للعلمٍ، موافقًا له، مؤتمًّا به، تسير بسيره وتقف بوقوفه، وتتحرَّك بحركته، نازلًا

  1. (١) كما في حديث عائشة عند الترمذي وغيره، وقد سبق تخريجه.
  2. (٢) في ع زيادة: «وقال بعضهم: إني لأصلي ركعتين فأقوم عنهما بمنزلة السارق أو الزاني الذي يراه الناس حياءً من الله ﷿». أسنده القشيري (ص ٤٩٣) عن أبي بكر الورَّاق بنحوه دون ذكر الزنا.
  3. (٣) م: «يُحسن».
  4. (٤) «المنازل» (ص ٣١).
355

منازله، مرتويًا من موارده، فتكون ناظرًا إلى الحكم الدينيِّ الأمري، متقيِّدًا به فعلًا وتركًا وطلبًا وهربًا، ناظرًا إلى ترتُّب الثواب والعقاب عليه سببًا وكسبًا.

ومع ذلك فتسير أنت بقلبك، مشاهدًا للحكم الكونيِّ القضائيِّ، الذي تنطوي فيه الأسباب والمسبَّبات والحركات والسكنات، ولا يبقى هناك غير محض المشيئة وتفرُّدِ الربِّ وحده بالأفعال، ومصدرها عن إرادته ومشيئته.

فيكون قائمًا بالأمر والنهي فعلًا وتركًا سائرًا بسيره، وبالقضاء والقدر إيمانًا وشهودًا وحقيقةً؛ فهو ناظرٌ إلى الحقيقة قائمٌ بالشريعة.

وهذان الأمران هما عبوديَّة هاتين الآيتين: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ٢٨ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩]، وقال: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا ٢٩ وَمَا يَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٢٩ - ٣٠]. فتَرْكُ العمل يسير سير العلم: مشهد ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾، وسير صاحبه مشاهدًا للحكم: مشهد ﴿وَمَا يَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾.

وأمّا قوله: (حرًّا من رقِّ الرسم)؛ الحرِّيَّة التي يشيرون إليها: عدم الدُّخول تحت عبوديَّة الخلق والنفس، والدُّخولُ تحت رقِّ عبوديَّة الحقِّ وحده. ومرادهم بالرَّسم: ما سوى الله، فكلُّه رسومٌ، فإنَّ الرُّسوم هي الآثار، ورسوم المنازل والدِّيار هي الآثار التي تبقى بعد سكَّانها، والمخلوقات بأسرها في منزل الحقيقة رسومٌ وآثارٌ للقدرة.

أي: فتُخلِّص نفسك من عبوديَّة كلِّ ما سوى الله، وتكون بقلبك مع القادر الحقِّ وحده، لا مع آثار قدرته التي هي رسوم، فلا تشتغل بغيره

356

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي