مدارج السالكين

موضع الحركة١. أو يَفْرُق في موضع جمعٍ، أو يجمع في موضع فرقٍ، أو يطير في موضع سُفُون٢، أو يَسْفُن٣ في موضع طيرانٍ، أو يُقدم في موضع إحجامٍ، أو يُحجم في موضع إقدامٍ، أو يتقدَّم في موضع وقوفٍ، أو يقف في موضع تقدُّمٍ، ونحو ذلك من الحركات التي هي في حقِّ الخدمة كحركات الثقيل البغيض في حقوق الناس.

فالخدمة ما لم يصحبها علمٌ ثانٍ بآدابها وحقوقها، غير العلم بها نفسها، كانت في مظنَّة أن تُبعِد صاحبها وإن كان مراده بها التقرُّب. ولا يلزم حبوطُ ثوابها وأجرها، فهي إن لم تُبعِده عن الأجر والثواب أبعدته عن المنزلة والقربة. ولا تنفصل مسائل هذه الجملة إلَّا بمعرفةٍ خاصَّةٍ بالله وأمره، ومحبَّةٍ تامَّةٍ له، ومعرفةٍ بالنفس وما منها.

النوع الثاني: شوب العادة، وهو أن يمازج العبوديَّة حكمٌ من أحكام عوائد النفس تكون منفِّذةً لها معينةً عليها، وصاحبُها يعتقدها قربةً وطاعةً، كمن اعتاد الصَّوم مثلًا وتمرَّن عليه، فألِفَتْه النفس وصار لها عادةً تتقاضاها أتمَّ٤ اقتضاءٍ، فيظنُّ أنَّ هذا التقاضي محض العبوديَّة، وإنَّما هو تقاضي العادة.

  1. (١) ع: «التحرك».
  2. (٢) أي: في موضع دنوٍّ من الأرض أو التصاقٍ بها. من قولهم: سَفَنت الريح تسفُن ــ كنصر وعَلِم ــ إذا هبَّت على وجه الأرض.
  3. (٣) ع: «في موضع سفوف، أو يَسُفَّ». وله وجه، فإنه يقال: سفَّ الطائر كأَسَفَّ، إذا طار على وجه الأرض دانيًا منها، ولكن المصدر منه «سَفيف» ولم أر من ذكر «سفوفًا».
  4. (٤) ع: «أشدَّ».
359

وعلامة هذا: أنَّه إذا عرض عليها طاعةً دون ذلك، وأيسرَ منه، وأتمَّ مصلحةً= لم تؤثرها إيثارًا١ لِما اعتادته وألِفَته. كما يحكى٢ عن بعض الصوفية٣ قال: حججت كذا وكذا حجَّةً على التجريد، فبان لي أنَّ جميع ذلك كان مشوبًا بحظِّي، وذلك أنَّ والدتي سألتني أن أستقي لها جرعة ماءٍ، فثَقُل ذلك على نفسي، فعلمت أنَّ مطاوعة نفسي في الحجَّات كان بحظِّ٤ نفسي وإرادتها، إذ لو كانت نفسي فانيةً لم يصعب عليها ما هو حقٌّ٥ في الشَّرع٦.

النوع الثالث: وقوف همَّته عند الخدمة. وذلك علامة ضعفها وقصورها، فإنَّ العبد المحض لا تقف همَّته عند خدمته، بل همَّته٧ أعلى من ذلك، إذ هي طالبةٌ لرضا مخدومه، فهو دائمًا مستصغرٌ خدمته له، ليس واقفًا عندها. والقناعة تُحمَد من صاحبها إلَّا في هذا الموضع، فإنَّها عين الحرمان، فالمحبُّ لا يقنع بشيءٍ دون محبوبه، فوقوف همَّة العبد مع خدمته وأُجرتِها سقوط فيها وحرمان.

  1. (١) ع: «إيثارَها».
  2. (٢) ع: «حُكي».
  3. (٣) ع: «بعض الصالحين من الصوفية».
  4. (٤) ش، ج، ن: «لحظ»
  5. (٥) كذا في ن، ع، وهو لفظ «القشيرية». وفي سائر النسخ: «لحق» أو «بحق» أو محتمل لهما.
  6. (٦) ذكر القشيري (ص ٣٠٩) أنه يُحكى ذلك عن أبي محمد المُرتعش الزاهد (ت ٣٢٨).
  7. (٧) ل: «همه».
360

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي