مدارج السالكين

المعرفة والدِّين كإخراج الشعرة من العجين!

واعلم أنَّ المعرفة الصحيحة هي روح العلم، والحال الصحيح هي روح العمل المستقيم، فكلُّ حالٍ لا يكون نتيجةَ العمل المستقيم مطابقًا للعلم فهو بمنزلة الرُّوح الخبيثة الفاجرة. ولا ننكر أن تكون لهذه الرُّوح أحوالًا١، لكنَّ الشأن في مرتبة تلك الأحوال ومنازلها. ومتى عارض الحال حكمٌ من أحكام العلم، فذلك الحال إمَّا فاسد وإمَّا ناقص، ولا يكون مستقيمًا أبدًا.

فالعلم الصحيح والعلم المستقيم: هما ميزان المعرفة الصحيحة والحال الصحيح، وهما كالبدَنَين لروحَيهما.

فأحسن ما يحمل عليه قوله: (أن لا يجنح الحال إلى علم) أنَّ العلم يدعو إلى التفرقة دائمًا، والحال يدعو إلى الجمعيَّة، والقلب بين هذين الدّاعيين، فهو٢ يجيب٣ هذا مرَّةً وهذا مرَّةً، فتهذيب الحال وتصفيته: أن يجيب داعي الحال لا داعي العلم.

ولا يلزم من هذا إعراضُه عن العلم، وعدمُ تحكيمه والتسليمِ له، بل هو متعبِّدٌ بالعلم، محكِّمٌ له، مستسلمٌ له، غير مجيبٍ لداعيه من التفرقة. بل هو مجيبٌ لداعي الحال والجمعيَّة، آخذٌ من العلم ما يصحِّح له حاله وجمعيَّته، غير مستغرقٍ فيه استغراقَ مَن هو مَطْرَحُ همَّته وغايةُ مقصده، لا مطلوب له سواه، ولا مراد له إلَّا إيَّاه.

  1. (١) كذا في النسخ. والجادة: «أحوال».
  2. (٢) ساقط من ل.
  3. (٣) ل، م، ش: «بحسب»، تصحيف.
363

فالعلم عنده آلة ووسيلة وطريق توصله إلى مقصده ومطلوبه، فهو كالدليل بين يديه يدعوه إلى الطريق ويدلُّه عليها، فهو يجيب داعيه للدلالة ومعرفة الطريق. وما في قلبه من ملاحظة مقصده ومطلبه من سيره وسفره، وباعث همَّته على الخروج من أوطانه ومُربَّاه، ومِن بين أصحابه وخلطائه، الحامل له على الاغتراب والتفرُّد في طريق الطلب= هو المُسيِّر له والمحرِّك والباعث؛ فلا يجنح عن داعيه إلى اشتغاله بجزويَّاتِ أو أحوال الدليل١ وما هو خارجٌ عن دلالته له على طريقه. فهذا مقصد شيخ الإسلام ــ إن شاء الله ــ لا الوجه الأوَّل. والله أعلم.

فصل

وأمَّا قوله: (ولا يخضع لرسمٍ)، أي لا يستولي على قلبه شيءٌ من الكائنات، بحيث يخضع له قلبه، فإنَّ صاحب الحال إنَّما يطلب الحيَّ القيُّوم، لا يقف٢ عند المعاهد والرُّسوم.

وأمّا قوله: (ولا يلتفت إلى حظٍّ)، أي إذا حصل له الحال التامُّ لم يشتغل بفرحه به وحظِّه منه واستلذاذه، فإنَّ ذلك حظٌّ من حظوظ النفس وبقيَّةٌ من بقاياها.

فصل

قال٣: (الدرجة الثالثة: تهذيب القصد، وهو تصفيته من ذلِّ الإكراه،

  1. (١) ع: «بجزويات أحوال الدليل».
  2. (٢) ع: «لا ينبغي له أن يقف».
  3. (٣) «المنازل» (ص ٣٢).
364

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي