مدارج السالكين

فالعلم عنده آلة ووسيلة وطريق توصله إلى مقصده ومطلوبه، فهو كالدليل بين يديه يدعوه إلى الطريق ويدلُّه عليها، فهو يجيب داعيه للدلالة ومعرفة الطريق. وما في قلبه من ملاحظة مقصده ومطلبه من سيره وسفره، وباعث همَّته على الخروج من أوطانه ومُربَّاه، ومِن بين أصحابه وخلطائه، الحامل له على الاغتراب والتفرُّد في طريق الطلب= هو المُسيِّر له والمحرِّك والباعث؛ فلا يجنح عن داعيه إلى اشتغاله بجزويَّاتِ أو أحوال الدليل١ وما هو خارجٌ عن دلالته له على طريقه. فهذا مقصد شيخ الإسلام ــ إن شاء الله ــ لا الوجه الأوَّل. والله أعلم.

فصل

وأمَّا قوله: (ولا يخضع لرسمٍ)، أي لا يستولي على قلبه شيءٌ من الكائنات، بحيث يخضع له قلبه، فإنَّ صاحب الحال إنَّما يطلب الحيَّ القيُّوم، لا يقف٢ عند المعاهد والرُّسوم.

وأمّا قوله: (ولا يلتفت إلى حظٍّ)، أي إذا حصل له الحال التامُّ لم يشتغل بفرحه به وحظِّه منه واستلذاذه، فإنَّ ذلك حظٌّ من حظوظ النفس وبقيَّةٌ من بقاياها.

فصل

قال٣: (الدرجة الثالثة: تهذيب القصد، وهو تصفيته من ذلِّ الإكراه،

  1. (١) ع: «بجزويات أحوال الدليل».
  2. (٢) ع: «لا ينبغي له أن يقف».
  3. (٣) «المنازل» (ص ٣٢).
364

وتحفُّظُه من مرض الفتور، ونصرتُه على منازعات العلم).

هذه أيضًا ثلاثة أشياء تهذِّب قصده وتصفِّيه:

أحدها: (تصفيته من ذلِّ الإكراه)، أي لا يسوق نفسه إلى الله كَرهًا، كالأجير المسخَّر المكلَّف، بل تكون دواعي قلبه وجواذبُه منساقةً إلى الله طوعًا ومحبَّةً وإيثارًا، كجريان الماء في منحدره. وهذه حال المحبِّين الصّادقين، فإنَّ عبادتهم طوعٌ ومحبَّة ورضًا، ففيها قرَّة عيونهم وسرورُ قلوبهم ولذَّةُ أرواحهم، كما قال ﷺ: «وجُعلت قرَّةُ عيني في الصلاة»١، وكان يقول: «يا بلال، أرحنا بالصلاة»٢.

فقرَّة عين المحبِّ ولذَّتُه ونعيمُ روحه في طاعة محبوبه، بخلاف المطيع

  1. (١) أخرجه أحمد (١٢٢٩٤) والنسائي (٣٩٣٩، ٣٩٤٠) والحاكم (٢/ ١٦٠) والضياء (٤/ ٤٢٧، ٥/ ١١٢ - ١١٣) من طريقين عن ثابت عن أنس. وقد ذكر الدارقطني أن حماد بن زيد يرويه عن ثابت مرسلًا، قال: والمرسل أشبه بالصواب. «العلل» (٢٣٨٥). وله طريق آخر عن أنس، ولكنه أعلَّ بالإرسال أيضًا. انظر: «تاريخ بغداد» (١٦/ ٢٨٠) و«المختارة» (٤/ ٣٦٦ - ٣٦٨).
  2. (٢) أخرجه أحمد (٢٣٠٨٨، ٢٣١٥٤) وأبو داود (٤٩٨٥، ٤٩٨٦) من طريقين عن سالم بن أبي الجعد، ثُمَّ اختُلف عنه، فروي عنه عن رجل من خزاعة سمع النبي ﷺ، وروي عنه عن عبد الله بن محمد بن الحنفية عن رجل من الأنصار عن النبي ﷺ. رجَّح الدارقطني في «العلل» (٤٦١) الطريق الأول، على أن رواة كليهما ثقات، والذي يظهر أن سالم بن أبي الجعد ــ وهو كثير الإرسال ــ أرسله عن الصحابي مرَّةً وأسنده إليه أخرى. وأما جهالة اسم الصحابي واختلاف الرواة في نسبه فلا يضر. فالحديث صحيح إن شاء الله، وقد صححه الزيلعي في «تخريج الكشاف» (١/ ٦٢) والعراقي في «تخريج الإحياء» (١/ ١١٨).
365

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي