وفي «صحيح مسلمٍ»٢ عن سفيان بن عبد الله قال: قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا غيرك، قال: «قل آمنت بالله، ثمَّ استقم».
وفيه٣ عن ثوبان عن النبيِّ ﷺ قال: «استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أنَّ خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلَّا مؤمن».
والمطلوب من العبد: الاستقامة وهي السَّداد، فإن لم يقدر عليها فالمقاربة، فإن نزل عنها فالتَّفريط والإضاعة. كما في «صحيح مسلم»٤ من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ: «سدِّدوا وقاربوا، واعلموا أنَّه لن ينجوَ أحدٌ منكم بعمله»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمَّدني الله برحمةٍ منه وفضل».
فجمع في هذا الحديث مقامات الدِّين كلَّها، فأمر بالاستقامة وهي السَّدادُ والإصابةُ في النيَّات والأقوال والأعمال، وأخبر في حديث ثوبان أنَّهم
(١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٣٢).
(٢) برقم (٣٨) بنحوه، واللفظ لأحمد (١٥٤١٦).
(٣) كذا، ولم يخرجه مسلم. وإنما أخرجه أحمد (٢٢٣٧٨، ٢٢٤١٤، ٢٢٤٣٣) والدارمي (٦٨١، ٦٨٢) وابن ماجه (٢٧٧) وابن حبان (١٠٣٧) والحاكم (١/ ١٣٠) وغيرهم من طرق عن ثوبان. وهو حديث صحيح بطرقه وشواهده. انظر: «أنيس الساري» (١/ ٥٥٣ - ٥٥٧).
(٤) برقم (٢٨١٦/ ٧٦)، وأخرجه البخاري (٥٦٧٣) أيضًا.
لا يطيقونها، فنقلهم إلى المقاربة وهي أن يقربوا من الاستقامة بحسب طاقتهم، كالذي يرمي إلى الغرض، فإن لم يصبه يقاربه. ومع هذا فأخبرهم أنَّ الاستقامة والمقاربة لا تنجي يوم القيامة، فلا يركن أحدٌ إلى عمله١ ولا يرى أنَّ نجاته به، بل إنَّما نجاته برحمة الله وعفوه وفضله.
فالاستقامة كلمةٌ جامعةٌ، آخذةٌ مجامعَ الدِّين، وهي القيام بين يدي الله على حقيقة الصِّدق والوفاء بالعهد. والاستقامة تتعلَّق بالأقوال والأفعال والأحوال والنِّيّات، فالاستقامة فيها: وقوعها لله وبالله وعلى أمر الله.
قال بعض العارفين: كن صاحب الاستقامة، لا طالب الكرامة، فإنَّ نفسك متحرِّكة في طلب الكرامة، وربُّك يطالبك بالاستقامة٢.
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ــ قدَّس الله تعالى روحه ــ يقول: أعظم الكرامة لزوم الاستقامة٣.
فصل
قال صاحب «المنازل» ﵀٤ في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾[فصلت: ٦]: (إنَّه إشارة إلى عين التفريد).
يريد: أنَّه أرشدهم إلى شهود تفريده، وهو أن لا يروا غير فردانيَّته. وتفريده نوعان: تفريد في العلم والمعرفة والشُّهود، وتفريد في الطَّلب