مدارج السالكين

لا يطيقونها، فنقلهم إلى المقاربة وهي أن يقربوا من الاستقامة بحسب طاقتهم، كالذي يرمي إلى الغرض، فإن لم يصبه يقاربه. ومع هذا فأخبرهم أنَّ الاستقامة والمقاربة لا تنجي يوم القيامة، فلا يركن أحدٌ إلى عمله١ ولا يرى أنَّ نجاته به، بل إنَّما نجاته برحمة الله وعفوه وفضله.

فالاستقامة كلمةٌ جامعةٌ، آخذةٌ مجامعَ الدِّين، وهي القيام بين يدي الله على حقيقة الصِّدق والوفاء بالعهد. والاستقامة تتعلَّق بالأقوال والأفعال والأحوال والنِّيّات، فالاستقامة فيها: وقوعها لله وبالله وعلى أمر الله.

قال بعض العارفين: كن صاحب الاستقامة، لا طالب الكرامة، فإنَّ نفسك متحرِّكة في طلب الكرامة، وربُّك يطالبك بالاستقامة٢.

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ــ قدَّس الله تعالى روحه ــ يقول: أعظم الكرامة لزوم الاستقامة٣.

فصل

قال صاحب «المنازل» ﵀٤ في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾ [فصلت: ٦]: (إنَّه إشارة إلى عين التفريد).

يريد: أنَّه أرشدهم إلى شهود تفريده، وهو أن لا يروا غير فردانيَّته. وتفريده نوعان: تفريد في العلم والمعرفة والشُّهود، وتفريد في الطَّلب

  1. (١) زاد في ع: «ولا يُعجَب به».
  2. (٢) ذكره القشيري (ص ٤٧٣) عن أبي علي الجوزجاني.
  3. (٣) انظر: «مجموع الفتاوى» (١١/ ٢٩٨).
  4. (٤) (ص ٣٢) بنحوه.
371

والإرادة، وهما نوعا التوحيد١.

وفي قوله: (عين التفريد) إشارةٌ إلى حال الجمع وأحديَّته التي هي عنده فوق علمه ومعرفته، لأنَّ التفرقة قد تجامع علم الجمع، وأمَّا حاله فلا تجامعه التفرقة.

فصل

قال٢: (والاستقامة روحٌ تحيا بها الأحوال، كما تربو للعامَّة عليها الأعمال، وهي برزخ بين وهاد التفرُّق وروابي الجمع).

شبَّه الاستقامة للحال بمنزلة الرُّوح للبدن، فكما أنَّ البدن إذا خلا عن الرُّوح فهو ميِّت، فكذلك الحال إذا خلا عن الاستقامة فهو فاسد، وكما أنَّ حياة الأحوال بها، فزيادة أعمال الزاهدين أيضًا ورُبُوُّها وزكاؤُها بها، فلا زكاء للعمل ولا صحَّة للحال بدونها.

وأمَّا كونها برزخًا بين وهاد التفرُّق وروابي الجمع، فالبرزخ: الحاجز بين شيئين متغايرين، والوهاد: الأمكنة المنخفضة من الأرض، واستعارها للتفرُّق لأنها تحجب من يكون فيها عن مطالعة ما يراه من هو على الروابي، كما أنَّ صاحب التفرُّق محجوبٌ عن مطالعة ما يراه صاحب الجمع ويشاهده. وأيضًا: فإنَّ حاله أنزل من حاله، فهو كصاحب الوهاد، وحال صاحب الجمع

  1. (١) ع: «التفريد»، خطأ.
  2. (٢) «المنازل» (ص ٣٢).
372

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي