مدارج السالكين

أعلى، فهو كصاحب الروابي. وشبَّه حال صاحب الجمع بحال من على الروابي لعلوِّه وأنَّ١ الرَّوابي تكشف لمَن عليها القريبَ والبعيد، وصاحب الجمع تُكشَف له الحقائق المحجوبة عن صاحب التفرقة.

إذا عرف هذا، فمعنى كونها برزخًا: أنَّ السالك يكون في أوَّل سلوكه في أودية التفرقة، سائرًا إلى روابي الجمع، فيستقيم في طريق سيره غايةَ الاستقامة ليصل باستقامته إلى روابي الجمع، فاستقامته برزخٌ بين تلك التفرقة التي كان فيها وبين الجمع الذي يؤمُّه ويقصده. وهذا بمنزلة تفرقة المقيم في البلد في أنواع التصرُّفات؛ فإذا عزم على السفر، وخرج وفارق البلد، واستمرَّ على السير= كان طريق سفره برزخًا بين البلد الذي كان فيه والبلد الذي يقصده ويؤمُّه.

فصل

قال٢: (وهي على ثلاث درجاتٍ. الدرجة الأولى: الاستقامة على الاجتهاد في الاقتصاد، لا عاديًا رسم العلم، ولا متجاوزًا حدَّ الإخلاص، ولا مخالفًا نهج السُّنّة).

هذه الدرجة تتضمّن ستَّة أمورٍ: عملًا، واجتهادًا فيه وهو بذل المجهود، واقتصادًا وهو السُّلوك بين طرفي الإفراط والجورِ على النُّفوس والتفريط بالإضاعة، ووقوفًا مع ما يرسمه العلم لا وقوفًا مع دواعي الحال٣، وإفرادَ

  1. (١) ع: «ولأَنَّ».
  2. (٢) «المنازل» (ص ٣٣).
  3. (٣) ع: «داعي الحال».
373

المعبود١ بالإرادة وهو الإخلاص، ووقوعَ الأعمال على الأمر وهو متابعة السُّنة.

فبهذه٢ الأمور السِّتَّة تتمُّ لأهل هذه الدرجة استقامتُهم، وبالخروج عن واحدٍ منها يخرجون عن الاستقامة، إمَّا خروجًا كليًّا وإمَّا خروجًا جزوِيًّا.

والسَّلف ﵃ يذكرون هذين الأصلين كثيرًا، وهما: الاقتصاد في الأعمال، والاعتصام بالسُّنَّة. فإنَّ الشيطان يَشَمُّ قلب العبد ويختبره، فإن رأى فيه داعيةً للبدعة وإعراضًا عن كمال الانقياد للسنة أخرجه عن الاعتصام بها. وإن رأى فيه حرصًا عليها وشدَّةَ طلبٍ لها لم يظفر به من باب اقتطاعه عنها، فأمره بالاجتهاد والجور على النفس ومجاوزة حدِّ الاقتصاد فيها، قائلًا له: إنَّ هذا خيرٌ وطاعة، والزِّيادةُ والاجتهادُ فيها أولى٣، فلا تفتر مع أهل الفتور، ولا تنم مع أهل النوم؛ فلا يزال يحثُّه ويحرِّضه حتَّى يخرجه عن الاقتصاد فيها، فيَخرُج عن حدِّها؛ كما أنَّ الأوَّل خارج عن٤ هذا الحدِّ، فكذا هذا الآخر خارجٌ عن الحدِّ الآخر. وهذا حال الخوارج الذين يحقر أهل الاستقامة٥ صلاتهم مع صلاتهم، وصيامهم مع صيامهم، وقراءتهم مع قراءتهم. وكِلا الأمرين خروجٌ عن السنة إلى البدعة، لكن هذا إلى بدعة

  1. (١) المثبت من ج، ن. وفي ش: «إفرادًا للمعبود». وفي سائر النسخ: «إفراد للمعبود»، خطأ.
  2. (٢) كذا في ش، ع. في سائر النسخ: «فهذه»، إلا أنه نقط من تحت في الأصل.
  3. (٣) ع: «أكمل».
  4. (٤) «عن» سقطت من الأصل، ثم استُدركت فيه بلفظ: «من»، وكذا في ل، ع.
  5. (٥) م: «أهل السنة»، وفي هامشها: «الاستقامة» مع الإشارة إلى أنه في نسخة كذلك.
374

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي