مدارج السالكين

المعبود١ بالإرادة وهو الإخلاص، ووقوعَ الأعمال على الأمر وهو متابعة السُّنة.

فبهذه٢ الأمور السِّتَّة تتمُّ لأهل هذه الدرجة استقامتُهم، وبالخروج عن واحدٍ منها يخرجون عن الاستقامة، إمَّا خروجًا كليًّا وإمَّا خروجًا جزوِيًّا.

والسَّلف ﵃ يذكرون هذين الأصلين كثيرًا، وهما: الاقتصاد في الأعمال، والاعتصام بالسُّنَّة. فإنَّ الشيطان يَشَمُّ قلب العبد ويختبره، فإن رأى فيه داعيةً للبدعة وإعراضًا عن كمال الانقياد للسنة أخرجه عن الاعتصام بها. وإن رأى فيه حرصًا عليها وشدَّةَ طلبٍ لها لم يظفر به من باب اقتطاعه عنها، فأمره بالاجتهاد والجور على النفس ومجاوزة حدِّ الاقتصاد فيها، قائلًا له: إنَّ هذا خيرٌ وطاعة، والزِّيادةُ والاجتهادُ فيها أولى٣، فلا تفتر مع أهل الفتور، ولا تنم مع أهل النوم؛ فلا يزال يحثُّه ويحرِّضه حتَّى يخرجه عن الاقتصاد فيها، فيَخرُج عن حدِّها؛ كما أنَّ الأوَّل خارج عن٤ هذا الحدِّ، فكذا هذا الآخر خارجٌ عن الحدِّ الآخر. وهذا حال الخوارج الذين يحقر أهل الاستقامة٥ صلاتهم مع صلاتهم، وصيامهم مع صيامهم، وقراءتهم مع قراءتهم. وكِلا الأمرين خروجٌ عن السنة إلى البدعة، لكن هذا إلى بدعة

  1. (١) المثبت من ج، ن. وفي ش: «إفرادًا للمعبود». وفي سائر النسخ: «إفراد للمعبود»، خطأ.
  2. (٢) كذا في ش، ع. في سائر النسخ: «فهذه»، إلا أنه نقط من تحت في الأصل.
  3. (٣) ع: «أكمل».
  4. (٤) «عن» سقطت من الأصل، ثم استُدركت فيه بلفظ: «من»، وكذا في ل، ع.
  5. (٥) م: «أهل السنة»، وفي هامشها: «الاستقامة» مع الإشارة إلى أنه في نسخة كذلك.
374

التفريط والإضاعة، والآخر إلى بدعة المجاوزة والإسراف١.

وقال بعض السلف: ما أمر الله بأمرٍ إلَّا وللشّيطان فيه نزغتان: إمَّا إلى تفريطٍ، وإمَّا إلى مجاوزةٍ٢؛ لا يبالي بأيِّهما ظفر٣.٤

فكلُّ الخير في اجتهادٍ باقتصادٍ مقرونٍ بالاتِّباع، كما قال بعض الصحابة ﵃: اقتصادٌ في سبيلٍ وسنَّةٍ خيرٌ من اجتهادٍ في خلاف سبيلٍ وسنَّة، فاحرصوا أن تكون أعمالكم على منهاج الأنبياء وسنَّتهم٥.

وكذلك الرِّياء في الأعمال يخرجه عن الاستقامة. والفتور والتواني يخرجه عنها أيضًا.

فصل

قال٦: (الدرجة الثانية: استقامة الأحوال. وهي شهود الحقيقة لا كسبًا،

  1. (١) م: «الإفراط».
  2. (٢) زيد في ع: «وهي الإفراط».
  3. (٣) هو قول مَخْلَد بن الحسين الأزدى المهلَّبي، ثقة فاضل من أعقل أهل زمانه (ت ١٩١). أسنده عنه أبو نعيم في «الحلية» (٨/ ٢٦٦).
  4. (٤) زيد في ع هنا: «وقال ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص: (يا عبد الله، إن لكل عامل شِرَّةً ولكل شِرَّة فترة، فمن كانت فترته إلى سنة أفلح، ومن كانت فترته إلى بدعةٍ خاب وخسر)، قال له ذلك حين أمره بالاقتصاد في العمل». أخرجه أحمد (٦٤٧٧) وابن خزيمة (٢١٠٥) وابن حبان (١١) وغيرهم.
  5. (٥) رواه ابن المبارك في «الزهد» (٨٧ - رواية نعيم) وابن أبي شيبة (٣٦٦٧٥) وأبو داود في «الزهد» (١٩٩) وهبة الله الطبري في «شرح السنة» (١٠) وأبو نعيم في «الحلية» (١/ ٢٥٣) من قول أبيِّ بن كعب ﵁.
  6. (٦) «المنازل» (ص ٣٣).
375

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي