مدارج السالكين

التفريط والإضاعة، والآخر إلى بدعة المجاوزة والإسراف١.

وقال بعض السلف: ما أمر الله بأمرٍ إلَّا وللشّيطان فيه نزغتان: إمَّا إلى تفريطٍ، وإمَّا إلى مجاوزةٍ٢؛ لا يبالي بأيِّهما ظفر٣.٤

فكلُّ الخير في اجتهادٍ باقتصادٍ مقرونٍ بالاتِّباع، كما قال بعض الصحابة ﵃: اقتصادٌ في سبيلٍ وسنَّةٍ خيرٌ من اجتهادٍ في خلاف سبيلٍ وسنَّة، فاحرصوا أن تكون أعمالكم على منهاج الأنبياء وسنَّتهم٥.

وكذلك الرِّياء في الأعمال يخرجه عن الاستقامة. والفتور والتواني يخرجه عنها أيضًا.

فصل

قال٦: (الدرجة الثانية: استقامة الأحوال. وهي شهود الحقيقة لا كسبًا،

  1. (١) م: «الإفراط».
  2. (٢) زيد في ع: «وهي الإفراط».
  3. (٣) هو قول مَخْلَد بن الحسين الأزدى المهلَّبي، ثقة فاضل من أعقل أهل زمانه (ت ١٩١). أسنده عنه أبو نعيم في «الحلية» (٨/ ٢٦٦).
  4. (٤) زيد في ع هنا: «وقال ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص: (يا عبد الله، إن لكل عامل شِرَّةً ولكل شِرَّة فترة، فمن كانت فترته إلى سنة أفلح، ومن كانت فترته إلى بدعةٍ خاب وخسر)، قال له ذلك حين أمره بالاقتصاد في العمل». أخرجه أحمد (٦٤٧٧) وابن خزيمة (٢١٠٥) وابن حبان (١١) وغيرهم.
  5. (٥) رواه ابن المبارك في «الزهد» (٨٧ - رواية نعيم) وابن أبي شيبة (٣٦٦٧٥) وأبو داود في «الزهد» (١٩٩) وهبة الله الطبري في «شرح السنة» (١٠) وأبو نعيم في «الحلية» (١/ ٢٥٣) من قول أبيِّ بن كعب ﵁.
  6. (٦) «المنازل» (ص ٣٣).
375

ورفض الدعوى لا علمًا، والبقاء مع نور اليقظة لا تحفُّظًا).

يعني أنَّ استقامة الحال بهذه الثلاثة.

أمَّا (شهود الحقيقة)، فالحقيقة حقيقتان: حقيقة كونيَّة وحقيقة دينيَّة، يجمعهما حقيقة ثالثة، وهي مصدرهما ومنشؤهما وغايتهما.

وأكثر أرباب السُّلوك من المتأخِّرين إنَّما يريدون بالحقيقة: الكونيَّةَ، وشهودها هو شهود تفرُّد الربِّ بالفعل، وأنَّ ما سواه محلٌّ لجريان أحكامه وأفعاله، فهو كالحفير الذي هو محلٌّ لجريان الماء حسب. وعندهم١ شهودُ هذه الحقيقة والفناءُ فيها غاية السّالكين.

ومنهم من يشهد حقيقة الأزليَّة والدوام، وفناءَ الحادثات وطيَّها في ضمن بساط الأزليَّة والأبديَّة، وتلاشيَها في ذلك، فيشهدها معدومةً، ويشهد تفرُّد مُوجِدها بالوجود الحقِّ، وأنَّ وجود ما سواه رسومٌ وظِلال٢. فالأوَّل يشهد تفرُّده بالأفعال، وهذا يشهد تفرُّده بالوجود٣.

وصاحب الحقيقة الدينيَّة في طورٍ آخر، فإنَّه في مشهد الأمر والنهي، والثواب والعقاب، والموالاة والمعاداة، والفرق بين ما يحبُّه ويرضاه وبين ما يبغضه ويسخطه. فهو في مقام الفرق الثَّاني الذي لا يحصل للعبد درجةُ الإسلام ــ فضلًا عن مقام الإحسان ــ إلَّا به، فالمعرض عنه صفحًا لا نصيب

  1. (١) في ع زيادة: «أنَّ».
  2. (٢) ل: «أطلال»، وإليه غُيِّر في الأصل، وهو خطأ. نعم، كثيرًا ما يُقرن بين الرسوم والأطلال في الشعر وغيره، ولكنه لا يستقيم هنا، فتأمل.
  3. (٣) «الحقِّ ... بالوجود» ساقط من ش لانتقال النظر.
376

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي