مدارج السالكين

ورفض الدعوى لا علمًا، والبقاء مع نور اليقظة لا تحفُّظًا).

يعني أنَّ استقامة الحال بهذه الثلاثة.

أمَّا (شهود الحقيقة)، فالحقيقة حقيقتان: حقيقة كونيَّة وحقيقة دينيَّة، يجمعهما حقيقة ثالثة، وهي مصدرهما ومنشؤهما وغايتهما.

وأكثر أرباب السُّلوك من المتأخِّرين إنَّما يريدون بالحقيقة: الكونيَّةَ، وشهودها هو شهود تفرُّد الربِّ بالفعل، وأنَّ ما سواه محلٌّ لجريان أحكامه وأفعاله، فهو كالحفير الذي هو محلٌّ لجريان الماء حسب. وعندهم١ شهودُ هذه الحقيقة والفناءُ فيها غاية السّالكين.

ومنهم من يشهد حقيقة الأزليَّة والدوام، وفناءَ الحادثات وطيَّها في ضمن بساط الأزليَّة والأبديَّة، وتلاشيَها في ذلك، فيشهدها معدومةً، ويشهد تفرُّد مُوجِدها بالوجود الحقِّ، وأنَّ وجود ما سواه رسومٌ وظِلال٢. فالأوَّل يشهد تفرُّده بالأفعال، وهذا يشهد تفرُّده بالوجود٣.

وصاحب الحقيقة الدينيَّة في طورٍ آخر، فإنَّه في مشهد الأمر والنهي، والثواب والعقاب، والموالاة والمعاداة، والفرق بين ما يحبُّه ويرضاه وبين ما يبغضه ويسخطه. فهو في مقام الفرق الثَّاني الذي لا يحصل للعبد درجةُ الإسلام ــ فضلًا عن مقام الإحسان ــ إلَّا به، فالمعرض عنه صفحًا لا نصيب

  1. (١) في ع زيادة: «أنَّ».
  2. (٢) ل: «أطلال»، وإليه غُيِّر في الأصل، وهو خطأ. نعم، كثيرًا ما يُقرن بين الرسوم والأطلال في الشعر وغيره، ولكنه لا يستقيم هنا، فتأمل.
  3. (٣) «الحقِّ ... بالوجود» ساقط من ش لانتقال النظر.
376

له في الإسلام البتَّة. وهو الذي كان الجنيد ﵁ يوصي١ أصحابه فيقول: «عليكم بالفرق الثاني»٢. وإنَّما سمِّي ثانيًا لأنَّ الفرق الأوَّل فرقٌ بالطبع والنفس، وهذا فرقٌ بالأمر.

والجمع أيضًا جمعان: جمعٌ في فرقٍ وهو جمع أهل الاستقامة والتوحيد، وجمعٌ بلا فرقٍ وهو جمع أهل الزندقة والإلحاد.

فالناس ثلاثة:

- صاحب فرقٍ بلا جمعٍ، فهو مذموم ناقص مخذول.

- وصاحب جمعٍ بلا فرقٍ، فهو٣ ملحد زنديق.

- صاحب فرقٍ وجمعٍ، يشهد الفرق في الجمع والكثرةَ في الوحدة، فهو المستقيم الموحِّد الفارق. وهذا صاحب الحقيقة الثالثة، الجامعةِ للحقيقتين الدينيَّة والكونيَّة، فشهود هذه الحقيقة الجامعة هو عين الاستقامة.

وأمَّا شهود الحقيقة الكونيَّة أو الأزليَّة والفناء فيها، فأمرٌ مشترَك بين المؤمنين والكفار، فإنَّ الكافر مُقِرٌّ بقدر الله وقضائه وأزليَّته وأبديَّته، فإذا استغرق في هذا الشُّهود وفني به عن سواه فقد شهد الحقيقة.

وأمّا قوله: (لا كسبًا)، أي يتحقَّق عند مشاهدة الحقيقة أنَّ شهودها لم يكن بالكسب، لأنَّ الكسب من أعمال النفس، والحقيقة لا تبدو مع بقاء النفس، إذ الحقيقة فردانيَّة أحديَّة نورانيَّة، فلا بدَّ من زوال ظلمة النفس ورؤية

  1. (١) في ع زيادة: «به».
  2. (٢) انظر ما تقدَّم (١/ ٣٨٧).
  3. (٣) ع: «وهو جمع أهل الزندقة والإلحاد، فصاحبه».
377

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي