مدارج السالكين

كسبها، وإلَّا لم يشهد الحقيقة.

وأمَّا (رفض الدعوى لا علمًا)، فالدعوى نسبة الحال وغيره إلى نفسك وإنِّيَّتك١، فالاستقامة لا تصحُّ إلَّا بتركها، سواءٌ كانت حقًّا أو باطلًا، فإنَّ الدعوى الصادقة تطفئ نور المعرفة، فكيف بالكاذبة!

وأمَّا قوله: (لا علمًا)، أي لا يكون الحامل له على ترك الدعوى مجرَّدُ علمه بفساد الدعوى ومنافاتها للاستقامة، فإذا تركها يكون تركها لكون العلم قد نهى عنها، فيكون تاركًا لها ظاهرًا لا حقيقةً، أو تاركًا لها لفظًا قائمًا بها حالًا، لأنَّه يرى أنَّه قد قام بحقِّ العلم في تركها، فيتركها تواضعًا؛ بل يتركها حالًا وحقيقةً، كما يترك من أحبَّ شيئًا تضرُّه محبَّتُه حبَّه حالًا وحقيقةً.

فإذا تحقَّق أنَّه ليس له من الأمر شيء، كما قال الله ﷿ لخير خلقه على الإطلاق: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] = ترَكَ الدعوى شهودًا وحقيقةً وحالًا.

وأمَّا (البقاء مع نور اليقظة)، فهو الدوام في اليقظة، وأن لا يطفئ نورَها بظلمة الغفلة، بل يستديم يقظته، ويرى أنَّه في ذلك كالمجذوب المأخوذ عن نفسه حفظًا من الله له، لا أنَّ ذلك حصل بتحفُّظه واحترازه.

فهذه ثلاثة أمورٍ: يقظةٌ، واستدامةٌ لها، وشهود أنَّ ذلك بالحقِّ سبحانه لا بك؛ فليس السببُ٢ في نور اليقظة تحفُّظه، بل حفظ الله له.

وكأنَّ الشيخ ﵀ يشير إلى أنَّ الاستقامة في هذه الدرجة لا تحصل

  1. (١) أي: ذاتِك ووجودِك. انظر: «المحيط» لابن عباد (١٠/ ٤٢٤).
  2. (٢) ل: «سببًا». والمثبت من ش. وفي سائر النسخ: «سبب».
378

بكسبٍ، وإنَّما هو مجرَّد موهبة، فإنَّه قال في الأولى: (الاستقامة على الاجتهاد) وفي الثانية: (استقامة الأحوال، لا كسبًا، ولا تحفُّظًا).

ومنازعته في ذلك متوجِّهة، وأنَّ ذلك ممَّا يمكن تحصيلُه كسبًا بتعاطي الأسباب التي تَهجم صاحبَها١ على هذا المقام. نعم، الذي يُنفى في هذا المقام: شهود٢ الكسب، وأنَّ هذا حصل٣ له بكسبه؛ فنفي الكسب شيءٌ ونفي شهوده شيء٤. ولعلَّ أن نُشبع الكلام في هذا فيما يأتي إن شاء الله.

فصل

قال٥: (الدرجة الثالثة: استقامةٌ بترك رؤية الاستقامة، وبالغيبة عن تطلُّب الاستقامة، بشهود إقامة٦ الحق وتقويمه عزَّ اسمُه٧).

هذه الاستقامة معناها الذُّهول بمشهوده عن شهوده، فيغيب بالمشهود المقصود سبحانه عن رؤية استقامته في طلبه، فإنَّ رؤية الاستقامة تحجبه عن حقيقة الشُّهود.

  1. (١) ع: «بصاحبها».
  2. (٢) هنا انتهى ما وُجد من نسخة جامعة الإمام (م).
  3. (٣) في الأصل، ل: «فضل». وفي ج، ن: «وصل»، والمثبت من ش، ع أشبه، وقد جاء على هامش الأصل أيضًا مسبوقًا بـ «لعله».
  4. (٤) في ع زيادة: «آخر».
  5. (٥) «المنازل» (ص ٣٣).
  6. (٦) ج، ن: «استقامة». وكذا كان في الأصل ثم أُصلح.
  7. (٧) «عزَّ اسمُه» من ش. وهو في «المنازل» و«شرح التلمساني».
379

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي