مدارج السالكين

بكسبٍ، وإنَّما هو مجرَّد موهبة، فإنَّه قال في الأولى: (الاستقامة على الاجتهاد) وفي الثانية: (استقامة الأحوال، لا كسبًا، ولا تحفُّظًا).

ومنازعته في ذلك متوجِّهة، وأنَّ ذلك ممَّا يمكن تحصيلُه كسبًا بتعاطي الأسباب التي تَهجم صاحبَها١ على هذا المقام. نعم، الذي يُنفى في هذا المقام: شهود٢ الكسب، وأنَّ هذا حصل٣ له بكسبه؛ فنفي الكسب شيءٌ ونفي شهوده شيء٤. ولعلَّ أن نُشبع الكلام في هذا فيما يأتي إن شاء الله.

فصل

قال٥: (الدرجة الثالثة: استقامةٌ بترك رؤية الاستقامة، وبالغيبة عن تطلُّب الاستقامة، بشهود إقامة٦ الحق وتقويمه عزَّ اسمُه٧).

هذه الاستقامة معناها الذُّهول بمشهوده عن شهوده، فيغيب بالمشهود المقصود سبحانه عن رؤية استقامته في طلبه، فإنَّ رؤية الاستقامة تحجبه عن حقيقة الشُّهود.

  1. (١) ع: «بصاحبها».
  2. (٢) هنا انتهى ما وُجد من نسخة جامعة الإمام (م).
  3. (٣) في الأصل، ل: «فضل». وفي ج، ن: «وصل»، والمثبت من ش، ع أشبه، وقد جاء على هامش الأصل أيضًا مسبوقًا بـ «لعله».
  4. (٤) في ع زيادة: «آخر».
  5. (٥) «المنازل» (ص ٣٣).
  6. (٦) ج، ن: «استقامة». وكذا كان في الأصل ثم أُصلح.
  7. (٧) «عزَّ اسمُه» من ش. وهو في «المنازل» و«شرح التلمساني».
379

وأمَّا (الغيبة عن تطلُّب الاستقامة) فهو غيبته عن طلبها بشهود إقامة الحقِّ للعبد وتقويمه إيَّاه، فإنَّه إذا شهد أنَّ الله هو المقيم له والمقوِّم، وأنَّ استقامته وقيامه بالله، لا بنفسه ولا بطلبه= غاب بهذا الشُّهود عن استشعار طلبه لها.

وهذا القدر من موجبات شهود معنى اسمه القيُّوم، وهو الذي قام بنفسه فلم يحتج إلى أحدٍ، وقام كلُّ شيءٍ به، فكلُّ ما سواه محتاجٌ١ إليه بالذات. وليست حاجته إليه معلَّلةً بحدوثٍ كما يقول المتكلِّمون، ولا بإمكانٍ كما يقول الفلاسفة المشَّاؤون، بل حاجته إليه ذاتيَّةٌ له، وما بالذات لا يعلَّل.

نعم، الحدوث والإمكان دليلان على الحاجة، فالتعليل بهما من باب التعريف٢، لا من باب العلل المؤثِّرة. والله أعلم.

  1. (١) ل: «يحتاج»، وفي الأصل محتمل.
  2. (٢) ش، ج، ن: «التقرير».
380

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي