مدارج السالكين

وأمَّا (الغيبة عن تطلُّب الاستقامة) فهو غيبته عن طلبها بشهود إقامة الحقِّ للعبد وتقويمه إيَّاه، فإنَّه إذا شهد أنَّ الله هو المقيم له والمقوِّم، وأنَّ استقامته وقيامه بالله، لا بنفسه ولا بطلبه= غاب بهذا الشُّهود عن استشعار طلبه لها.

وهذا القدر من موجبات شهود معنى اسمه القيُّوم، وهو الذي قام بنفسه فلم يحتج إلى أحدٍ، وقام كلُّ شيءٍ به، فكلُّ ما سواه محتاجٌ١ إليه بالذات. وليست حاجته إليه معلَّلةً بحدوثٍ كما يقول المتكلِّمون، ولا بإمكانٍ كما يقول الفلاسفة المشَّاؤون، بل حاجته إليه ذاتيَّةٌ له، وما بالذات لا يعلَّل.

نعم، الحدوث والإمكان دليلان على الحاجة، فالتعليل بهما من باب التعريف٢، لا من باب العلل المؤثِّرة. والله أعلم.

  1. (١) ل: «يحتاج»، وفي الأصل محتمل.
  2. (٢) ش، ج، ن: «التقرير».
380

فصل

ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة التوكُّل.

قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]، وقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢].

وقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣].

وقال عن أوليائه: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ﴾ [الممتحنة: ٤]، وقال: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الملك: ٢٩].

وقال لرسوله ﷺ: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩]، وقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ٨١]، وقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان: ٥٨]، وقال: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].

وقال عن أنبيائه ورسله: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ [إبراهيم: ١٢]، وقال عن أصحاب نبيِّه: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣].

وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢]١.

  1. (١) زاد في ع: «والقرآن مملوءٌ من ذلك».
381

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي