مدارج السالكين

ودون هؤلاء من يتوكَّل عليه في معلومٍ١ يناله منه من رزقٍ، أو عافيةٍ، أو نصرٍ على عدوٍّ، أو زوجةٍ أو ولدٍ، ونحو ذلك.

ودون هؤلاء من يتوكَّل عليه في حصول ما لا يحبه ويرضاه من الظلم والعُدوان وحصول الإثم والفواحش، فإنَّ أصحاب هذه المطالب لا ينالونها غالبًا إلَّا باستعانتهم بالله وتوكُّلهم عليه، بل قد يكون توكُّلهم أقوى من توكُّل كثيرٍ من أصحاب الطاعات. ولهذا يُلقون أنفسهم في المتالف والمهالك معتمدين على الله أن يسلِّمهم ويُظْفِرهم بمطالبهم.

فأفضل التوكُّل: التوكُّل في الواجب، أعني: واجبَ الحقِّ، وواجب الخلق، وواجب النفس. وأوسعه وأنفعه: التوكُّل في التأثير في الخارج في مصلحةٍ دينيَّةٍ، أو في دفع مفسدةٍ دينيّةٍ، وهو توكُّل الأنبياء في إقامة دين الله ودفع فساد المفسدين في الأرض، وهذا توكُّل ورثتهم. ثمَّ الناس بعدُ في التوكُّل على حسب هممهم ومقاصدهم، فمن متوكِّلٍ٢ على الله في حصول الملك، ومتوكِّلٍ في حصول رغيفٍ.

ومن صدق توكُّله على الله في حصول شيءٍ ناله، فإن كان محبوبًا له مرضيًّا كانت له فيه العاقبة المحمودة، وإن كان مسخوطًا مبغوضًا كان ما حصل له بتوكُّله مضرَّةً عليه، وإن كان مباحًا حصلت له مصلحة التوكُّل دون مصلحة ما توكَّل فيه إن لم يستعن به على طاعة٣.

  1. (١) في ش زيادة: «يحبه».
  2. (٢) ل: «يتوكل»، هنا وفي الموضع الآتي.
  3. (٣) ع: «طاعاته».
384

فصل

فلنذكر معنى التوكُّل ودرجاته وما قيل فيه.

قال الإمام أحمد ﵁: التوكُّل عمل القلب١. ومعنى ذلك أنَّه عملٌ قلبيٌّ، ليس بقول اللِّسان ولا عمل الجوارح، ولا هو من باب العلوم والإدراكات٢.

ومن الناس من يجعله من باب المعارف والعلوم فيقول: هو علم القلب بكفاية الربِّ للعبد.

ومنهم من يفسِّره بالسُّكون وخمود حركة القلب، فيقول: التوكُّل هو انطراح القلب بين يدي الله، كانطراح الميِّت بين يدي الغاسل يقلبه كيف يشاء٣.

أو تركِ الاختيار والاسترسالِ مع مجاري الأقدار٤.

  1. (١) كذا نسبه المؤلف إلى الإمام أحمد هنا وفي «طريق الهجرتين» (٢/ ٥٦١). وأخشى أن يكون تصحَّف عليه «الجنيد» إلى «أحمد»، لأن القول له في كتابه «جوابات مسائل الشاميين»، كما نقله عنه القشيري (ص ٩٦). وإلى الجنيد يعزوه شيخ الإسلام في رسائله، كما في «مجموع الفتاوى» (٧/ ١٨٦، ١٠/ ٢٦٨، ١٢/ ٤٠٥) وغيرها.
  2. (٢) ش: «الإرادات»، خطأ.
  3. (٣) هو قول سهل بن عبد الله التستري كما أسنده البيهقي في «شعب الإيمان» (١٢٥٠) وذكره القشيري (ص ٤٠٩).
  4. (٤) قال أبو يعقوب النَّهرَجُوري (ت ٣٣٠): «أدنى التوكل ترك الاختيار»، أسنده البيهقي في «الشعب» (١٢٣٦). وذكر صاحب «قوت القلوب» (٢/ ٤) عن سهلٍ أن أدنى التوكل ترك الأماني، وأوسطه ترك الاختيار.
385

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي