قال الإمام أحمد ﵁: التوكُّل عمل القلب١. ومعنى ذلك أنَّه عملٌ قلبيٌّ، ليس بقول اللِّسان ولا عمل الجوارح، ولا هو من باب العلوم والإدراكات٢.
ومن الناس من يجعله من باب المعارف والعلوم فيقول: هو علم القلب بكفاية الربِّ للعبد.
ومنهم من يفسِّره بالسُّكون وخمود حركة القلب، فيقول: التوكُّل هو انطراح القلب بين يدي الله، كانطراح الميِّت بين يدي الغاسل يقلبه كيف يشاء٣.
أو تركِ الاختيار والاسترسالِ مع مجاري الأقدار٤.
(١) كذا نسبه المؤلف إلى الإمام أحمد هنا وفي «طريق الهجرتين» (٢/ ٥٦١). وأخشى أن يكون تصحَّف عليه «الجنيد» إلى «أحمد»، لأن القول له في كتابه «جوابات مسائل الشاميين»، كما نقله عنه القشيري (ص ٩٦). وإلى الجنيد يعزوه شيخ الإسلام في رسائله، كما في «مجموع الفتاوى» (٧/ ١٨٦، ١٠/ ٢٦٨، ١٢/ ٤٠٥) وغيرها.
(٢) ش: «الإرادات»، خطأ.
(٣) هو قول سهل بن عبد الله التستري كما أسنده البيهقي في «شعب الإيمان» (١٢٥٠) وذكره القشيري (ص ٤٠٩).
(٤) قال أبو يعقوب النَّهرَجُوري (ت ٣٣٠): «أدنى التوكل ترك الاختيار»، أسنده البيهقي في «الشعب» (١٢٣٦). وذكر صاحب «قوت القلوب» (٢/ ٤) عن سهلٍ أن أدنى التوكل ترك الأماني، وأوسطه ترك الاختيار.
قال سهلٌ: التوكُّل الاسترسال مع الله على١ ما يريد٢.
ومنهم من يفسِّره بالرِّضا، فيقول: هو الرِّضا بالمقدور.
قال بشرٌ الحافي ﵀: يقول أحدهم: توكَّلت على الله؛ يكذب على الله، لو توكَّل على الله رضي بما يفعل الله٣.
وسُئل يحيى بن معاذٍ ﵁: متى يكون الرجل متوكلًا؟ فقال: إذا رضي بالله وكيلًا٤.
ومنهم من يفسِّره بالثِّقة بالله، والطُّمأنينة إليه، والسُّكون إليه.
قال ابن عطاءٍ ﵁: التوكُّل أن لا يظهر فيك انزعاجٌ إلى الأسباب مع شدَّةِ فاقتك إليها، ولا تزول عن حقيقة السُّكون إلى الحقِّ مع وقوفك عليها٥.
وقال ذو النُّون: هو ترك تدبير النفس والانخلاعُ من الحول والقوَّة٦. وإنَّما يقوى العبد على التوكُّل إذا علم أنَّ الحقَّ سبحانه يعلم ويرى ما هو فيه.
(١) ع: «مع»، خطأ.
(٢) ذكره الطوسي في «اللمع» (ص ٥٢) وعنه القشيري (ص ٤١١).
(٣) «القشيرية» (ص ٤١٠).
(٤) «القشيرية» (ص ٤١٠).
(٥) «القشيرية» (ص ٤١٠).
(٦) إلى هنا في «اللمع» (ص ٥٢)، وما بعده عند القشيري (ص ٤١١)، وهو من كلامه لا تتمة كلام ذي النون. وأسند السُّلمي في «طبقاته» (ص ٥٠) عن السَّري السقطي أنه أيضًا فسَّر التوكل بالانخلاع من الحول والقوة.