وقال بعضهم: التوكُّل التعلُّق بالله في كلِّ حالٍ١.
وقيل: التوكُّل أن تَرِد عليك موارد الفاقات، فلا تسمو إلَّا إلى من إليه الكفايات٢.
وقيل: نفي الشُّكوك والتفويض إلى مالك الملوك.
وقال ذو النُّون ﵀: خلع الأرباب وقطع الأسباب٣؛ يريد قطعها من تعلُّق القلب بها، لا من ملابسة الجوارح لها.
ومنهم من جعله مركَّبًا من أمرين أو أمورٍ.
فقال أبو سعيدٍ الخرَّاز ــ رحمة الله عليه ــ: التوكُّل اضطرابٌ بلا سكونٍ وسكونٌ بلا اضطرابٍ٤. يريد: حركةَ ذاته في الأسباب بالظاهر والباطن، وسكونًا إلى المسبِّب وركونًا إليه، فلا يضطرب قلبه معه، ولا تسكن٥ حركته في الأسباب الموصلة إلى رضاه.
وقال أبو ترابٍ النَّخشبيُّ: هو طرح البدن في العبوديَّة، وتعلُّق القلب
(١) ذكره القشيري (ص ٤١٢) عن أبي عبد الله القُرَشي.
(٢) انظر: «القشيرية» (ص ٤١٦).
(٣) أسنده السلمي في «تفسيره» (١/ ١٧٥) وأبو نعيم في «الحلية» (٩/ ٣٨٠) والبيهقي في «شعب الإيمان» (١٢٣٣) والقشيري (ص ٤١٢).
(٤) «القشيرية» (ص ٤١٣). وأسنده السُّلمي في «تفسيره» (٢/ ١١٩). ولعل أبا سعيد أخذ ذلك عن بشرٍ الحافي (وكان قد صحبه)، فإن أبا نعيم أسنده في «الحلية» (٨/ ٣٥١) من قول بشر.
(٥) ش: «تستكن».
بالرُّبوبيَّة، والطُّمأنينة إلى الكفاية، فإن أعطي شكر وإن مُنع صبر١. فجعله مركّبًا من خمسة أمورٍ: القيام بحركات العبوديَّة، وتعلُّق القلب بتدبير الربِّ وسكونُه إلى قضائه وقدره، وطمأنينته بكفايته٢، وشكره إذا أُعطي، وصبره إذا مُنع.
قال أبو يعقوب النَّهرَجُوريُّ: التوكُّل على الله بكمال الحقيقة وقع لإبراهيم الخليل ﷺ في الوقت الذي قال لجبريل ﵇: أمَّا إليك فلا؛ لأنَّه غابت نفسه بالله، فلم ير مع الله غير الله٣.
وأجمع القوم على أنَّ التوكُّل لا ينافي القيام بالأسباب، بل لا٤ يصحُّ التوكُّل إلَّا مع القيام بها، وإلَّا فهو بطالة وتوكُّل فاسد٥.
(١) ذكره الطوسي في «اللمع» (ص ٥١ - ٥٢)، ثم عنه القشيري (ص ٤١١). وذكره أيضًا السلمي في «تفسيره» (١/ ٣٤٢).
(٢) في ع زيادة: «له».
(٣) أسنده البيهقي في «الشعب» (١٢٣٤) والقشيري (ص ٤١٢). وأما خبر جبريل مع الخليل فلم يثبت مرفوعًا، وإنما روي في آثارٍ عن السلف. انظر: «تفسير الطبري» (١٦/ ٣٠٩) والثعلبي (١٨/ ١٥٢) و«شعب الإيمان» (١٠٤٥) و«طبقات الحنابلة» (٢/ ٥٥٦) و«مجموع الفتاوى» (٨/ ٥٣٩).
(٤) ع: «فلا».
(٥) كذا قال المؤلف: إن القوم أجمعوا على ذلك، والظاهر أنه يقصد العارفين الراسخين في العلم منهم. وإلا فقد ذكر القشيري في باب التوكل (ص ٤٠٨ - ٤٢٣) عددًا من الأقوال والحكايات الدالة على أن بعض السالكين والعبّاد كان يرى نبذ الأسباب والسفر بلا زاد وإيثار البطالة على الاشتغال بالمكاسب. وسيشير المؤلف نفسه إلى هؤلاء (ص ٤١٥) ويقول: «درجتهم ناقصة عند العارفين».