ومعنى هذا أن التوكُّل اعتمادٌ على الوكيل، وقد يعتمد الموكِّل١ على وكيله مع نوع اقتراحٍ عليه وإرادةٍ وشائبةِ منازعةٍ، فإذا سلَّم إليه زال عنه ذلك، ورضي بما يفعله وكيله. وحال المفوِّض فوق هذا، فإنَّه طالبٌ مريدٌ ممَّن فوَّض إليه ملتمسٌ منه أن يتولَّى أموره، فهو رضًا واختيار وتسليم واعتماد؛ فالتوكُّل يندرج في التسليم، وهو والتسليم يندرجان في التفويض.
فصل
وحقيقة الأمر: أنَّ التوكُّل حالٌ مركَّبةٌ من مجموع أمورٍ، لا تتمُّ حقيقة التوكُّل إلا بها. وكلٌّ أشار إلى واحدٍ من هذه الأمور أو اثنين أو أكثر.
فأوَّل ذلك: معرفةٌ بالربِّ وصفاته من قدرته، وكفايته، وقيُّوميَّته، وانتهاء الأمور إلى علمه، وصدورها عن مشيئته وقدرته. وهذه المعرفة أوَّل درجةٍ يضع بها العبد قدمه في مقام التوكُّل.
قال شيخنا ﵁: ولذلك لا يصحُّ التوكُّل ولا يُتصوَّر من فيلسوف، ولا من القدريَّة النُّفاة القائلين بأنه يكون في ملكه ما لا يشاؤه، ولا يستقيم أيضًا من الجهميَّة النُّفاة لصفات الربِّ، ولا يستقيم التوكُّل إلّا من أهل الإثبات٢. فأيُّ توكُّلٍ لمن يعتقد أنَّ الله لا يعلم جزويَّات العالم٣، ولا هو فاعل باختياره، ولا له إرادة ولا مشيئة، ولا يقوم به صفة؟! فكلُّ من كان بالله وصفاته أعلم وأعرف كان توكُّله أصحَّ وأقوى.
(١) الأصل: «الوكيل». ل: «المتوكل». ع: «الرجل». وسقط من ش. والمثبت من ج، ن.
(٢) لعله هنا ينتهي كلام شيخ الإسلام، وما بعده من كلام المؤلف.
(٣) في ع زيادة: «سفليَّةً وعلوَّيةً».
فصل
الدرجة الثانية: إثبات الأسباب والمسبَّبات، فإنَّ من نفاها فتوكُّله مدخول. وهذا عكس ما يظهر في بَدَوات الرَّأي: أنَّ إثبات الأسباب يقدح في التوكُّل، وأنَّ بنفيها تمام التوكُّل.
فاعلم أنَّ نفاة الأسباب لا يستقيم لهم توكُّل البتَّة، لأنَّ التوكُّل١ من أقوى الأسباب في حصول المتوكَّل فيه، فهو كالدُّعاء الذي جعله الله سببًا في حصول المدعوِّ به، فإذا اعتقد العبد أنَّ توكُّله لم ينصبه الله سببًا، ولا جعل دعاءه سببًا لنيل شيءٍ، فإنَّ المتوكَّل فيه المدعوَّ بحصوله إن كان قد قدِّر حصل، توكَّل أو لم يتوكَّل، دعا أو لم يدع، وإن لم يُقدَّر لم يحصل، توكَّل أيضًا أو ترك التوكُّل٢.
وصرَّح هؤلاء أنَّ التوكُّل والدُّعاء عبوديَّة محضة، لا فائدة لهما إلَّا ذلك، ولو ترك العبد التوكُّل والدُّعاء لما فاته شيءٌ ممَّا قدِّر له! ومِن غُلاتهم من يجعل الدُّعاء بعدم المؤاخذة على الخطإ والنِّسيان عديم الفائدة، إذ هو مضمون الحصول٣.
(١) ل: «المتوكل».
(٢) لم يأت جواب: «فإذا اعتقد العبد ...» إلخ، تقديره: «فإنه حينئذ يترك التوكل والدعاء»، أو نحو ذلك.
(٣) قال الرازي في «تفسيره» في الكلام على خواتيم سورة البقرة: «المقصود من الدعاء إظهار التضرع إلى الله تعالى لا طلب الفعل، ولذلك فإن الداعي كثيرًا ما يدعو بما يقطع بأن الله تعالى يفعله سواء دعا أو لم يدع».