إلى غير الله أخذ ذلك الالتفات شعبةً من شعب قلبه، فنقص من توكُّله على الله بقدر ذهاب تلك الشُّعبة، ومن هاهنا ظنَّ من ظنَّ أنَّ التوكُّل لا يصحُّ إلا برفض الأسباب. وهذا حق، لكن رفضها عن القلب أو١ عن الجوارح؟ فالتوكُّل لا يتمُّ إلا برفض الأسباب عن القلب وتعلُّق الجوارح بها، فيكون منقطعًا منها متصلًا بها.
فصل
الدرجة الرابعة: اعتماد القلب على الله واستناده إليه وسكونه إليه، بحيث لا يبقى فيه اضطراب من تشويش الأسباب، ولا سكونٌ إليها، بل يخلع السُّكون إليها من قلبه، ويلبس السُّكون إلى مسبِّبها.
وعلامة هذا أنَّه لا يبالي بإقبالها وإدبارها، ولا يضطرب قلبه ويخفق عند إدبار ما يحبُّ منها وإقبالِ ما يكره، لأنَّ اعتمادَه على الله وسكونَه إليه واستنادَه إليه قد حصَّنه مِن خوفها ورجائها. فحاله حال من خرج عليه عدوٌّ عظيمٌ لا طاقة له به، فرأى حصنًا مفتوحًا، فأدخله ربُّه إليه، وأغلق عليه باب الحصن، فهو يشاهد عدوَّه خارج الحصن، فاضطرابُ قلبه وخوفُه منهم في هذه الحال لا معنى له.
وكذلك من أعطاه ملِكٌ درهمًا، فسُرق منه، فقال له الملك: عندي أضعافه، لا تهتمَّ، متى جئت إليَّ أعطيتك من خزائني أضعافه. فإذا علم صحَّة قول الملك، ووثق به، واطمأنَّ إليه، وعلم أنَّ خزائنه مليَّة٢ بذلك = لم
(١) كذا في النسخ. وفي المطبوعات: «لا».
(٢) كذا مضبوطًا على لغة التسهيل في ن، ع. وفي ش، ج: «مليئة». وهو محتمل في الأصل، ل.
يحزنه فوتُه.
وقد مثِّل ذلك بحال الطِّفل الرضيع في اعتماده وسكونه وطمأنينته بثدي أمِّه لا يَعرف غيره، وليس في قلبه التفاتٌ إلى غيره. كما قال بعض العارفين: المتوكِّل كالطِّفل، لا يعرف شيئًا يأوي إليه إلَّا ثدي أمِّه، كذلك المتوكِّل لا يأوي إلَّا إلى ربِّه ﷿١.
فصل
الدرجة الخامسة: حسن الظنِّ بالله تعالى، فعلى قدر حسن ظنِّك به ورجائك له يكون توكُّلك عليه. ولذلك فسّر بعضهم التوكُّل بحسن الظن فقال: التوكل حسن الظنِّ بالله٢.
والتحقيق: أن حسن الظنِّ به يدعوه إلى التوكُّل عليه، إذ لا يتصوَّر التوكُّل على من تُسيء ظنَّك به، ولا التوكُّل على من لا ترجوه.
فصل
الدرجة السّادسة: استسلام القلب له، وانجذاب دواعيه كلِّها إليه، وقطع منازعاته. وبهذا فسَّره من قال: أن يكون العبد بين يدي الله كالميِّت بين يدي الغاسل يقلبه كيف أراد،٣ لا يكون له حركة ولا تدبير.
وهذا معنى قول بعضهم: التوكُّل إسقاط التدبير، يعني الاستسلام لتدبير
(١) «القشيرية» (ص ٤١٦).
(٢) هو قول عبد الله بن داود الخُريبي، الإمام الزاهد (ت ٢١٣). أسنده عنه ابن أبي الدنيا في «التوكل» (٣٠) و«حسن الظن بالله» (٢٧)، والبيهقي في «الشعب» (١٢١٤).