يكذب على الله، لو توكَّل على الله لرضي بما يفعل الله١. وقولِ يحيى بن معاذٍ ﵁ وقد سئل: متى يكون الرجل متوكِّلًا؟ فقال: إذا رضي بالله وكيلًا٢.
فصل
وكثيرًا ما يشتبه في هذا البابِ المحمودُ الكامل بالمذموم الناقص، فيشتبه٣ التفويض بالإضاعة، فيضيِّع العبد حظَّه ظنًّا أنَّ ذلك منه تفويض وتوكُّل، وإنَّما هو تضييعٌ لا تفويض، فالتضييع في حقِّ الله، والتفويض في حقِّك.
ومنه: اشتباه التوكُّل بالراحة وإلقاء حَمْل الكَلِّ، فيظنُّ صاحبه أنَّه متوكِّل، وإنَّما هو عاملٌ على قدم الراحة. وعلامة ذلك أنَّ المتوكِّل مجتهد في الأسباب المأمور بها غايةَ الاجتهاد، مستريحٌ من غيرها لتعبه بها، والعامل على الراحة آخذٌ من الأمر مقدار ما تندفع به الضرورة وتسقط به عنه مطالبة الشرع؛ فهذا لون، وهذا لون.
ومنه: اشتباه خلع الأسباب بتعطيلها. فخلعها توحيد، وتعطيلها إلحاد وزندقة، فخلعها عدمُ اعتماد القلب عليها ووثوقِه٤ بها وركونِه إليها مع قيامه بها، وتعطيلُها إلغاؤها من الجوارح.
(١) زاد في ع: «به»، وهو في «القشيرية» كذلك.
(٢) قد سبق القولان، وهما في «القشيرية» (ص ٤١٠).
(٣) ش: «ويشتبه». وكذا كان في الأصل ثم أُصلح.
(٤) ش: «وتوثُّقه».
ومنه: اشتباه الثِّقة بالله بالغرَّة والعجز. والفرق بينهما: أنَّ الواثق بالله قد فعل ما أُمر به، ووثق بالله في طلوع ثمرته وتنميتها وتزكيتها١، كغارس الشجر وباذر الأرض؛ والمغترُّ العاجز قد فرَّط فيما أُمر به، وزعم أنَّه واثقٌ بالله. والثِّقة إنما تصحُّ مع بذل المجهود.
ومنه: اشتباه الطُّمأنينة إلى الله والسُّكون إليه بالطُّمأنينة إلى المعلوم وسكون القلب إليه. ولا يميِّز بينهما إلَّا صاحب البصيرة، كما يُذكر عن أبي سليمان الداراني ﵁ أنه رأى رجلًا بمكَّة ــ أعزَّها الله٢ ــ لا يتناول شيئًا إلا شربةً من ماء زمزم، فمضى عليه أيام، فقال له أبو سليمان يومًا: أرأيت لو غارت زمزم، أيشٍ كنت تشرب؟ فقام وقبَّل رأسه وقال: جزاك الله خيرًا حيث أرشدتَني، فإنِّي كنت أعبد زمزم منذ أيام٣، ومضى٤.
وأكثر المتوكِّلين سكونهم وطمأنينتهم إلى المعلوم، وهم يظنُّون أنه إلى الله، وعلامة ذلك أنّه متى انقطع معلومُ أحدهم حضره همُّه وبثُّه وخوفه. فعُلِم أنَّ طمأنينته وسكونه لم يكن إلى الله.
ومنه: اشتباه الرِّضا عن الله بكلِّ ما يفعل بعبده ممَّا يحبُّه ويكرهه بالعزم على ذلك وحديث النفس به، وذلك شيءٌ والحقيقة شيءٌ آخر. كما يحكى عن أبي سليمان ﵁ أنَّه قال: أرجو أن أكون قد أُعطيت طرفًا من الرِّضا، لو أدخلني النَّار كنت بذلك راضيًا! فسمعت شيخ الإسلام ابن تيميَّة ﵀
(١) في النسخ عدا ع: «وتنميته وتزكيته».
(٢) ج، ن: «شرَّفها الله». ولم ترد الجملة المعترضة في ل، ش، ع.