مدارج السالكين

ومنه: اشتباه الثِّقة بالله بالغرَّة والعجز. والفرق بينهما: أنَّ الواثق بالله قد فعل ما أُمر به، ووثق بالله في طلوع ثمرته وتنميتها وتزكيتها١، كغارس الشجر وباذر الأرض؛ والمغترُّ العاجز قد فرَّط فيما أُمر به، وزعم أنَّه واثقٌ بالله. والثِّقة إنما تصحُّ مع بذل المجهود.

ومنه: اشتباه الطُّمأنينة إلى الله والسُّكون إليه بالطُّمأنينة إلى المعلوم وسكون القلب إليه. ولا يميِّز بينهما إلَّا صاحب البصيرة، كما يُذكر عن أبي سليمان الداراني ﵁ أنه رأى رجلًا بمكَّة ــ أعزَّها الله٢ ــ لا يتناول شيئًا إلا شربةً من ماء زمزم، فمضى عليه أيام، فقال له أبو سليمان يومًا: أرأيت لو غارت زمزم، أيشٍ كنت تشرب؟ فقام وقبَّل رأسه وقال: جزاك الله خيرًا حيث أرشدتَني، فإنِّي كنت أعبد زمزم منذ أيام٣، ومضى٤.

وأكثر المتوكِّلين سكونهم وطمأنينتهم إلى المعلوم، وهم يظنُّون أنه إلى الله، وعلامة ذلك أنّه متى انقطع معلومُ أحدهم حضره همُّه وبثُّه وخوفه. فعُلِم أنَّ طمأنينته وسكونه لم يكن إلى الله.

ومنه: اشتباه الرِّضا عن الله بكلِّ ما يفعل بعبده ممَّا يحبُّه ويكرهه بالعزم على ذلك وحديث النفس به، وذلك شيءٌ والحقيقة شيءٌ آخر. كما يحكى عن أبي سليمان ﵁ أنَّه قال: أرجو أن أكون قد أُعطيت طرفًا من الرِّضا، لو أدخلني النَّار كنت بذلك راضيًا! فسمعت شيخ الإسلام ابن تيميَّة ﵀

  1. (١) في النسخ عدا ع: «وتنميته وتزكيته».
  2. (٢) ج، ن: «شرَّفها الله». ولم ترد الجملة المعترضة في ل، ش، ع.
  3. (٣) في ع زيادة: «ثم تركه»، وليست في مصدر النقل.
  4. (٤) «القشيرية» (ص ٤١٦).
400

يقول: هذا عزمٌ منه على الرِّضا وحديثُ نفسٍ به، ولو أدخله النار لم يكن من ذلك شيء، وفرقٌ بين العزم على الشيء وبين حقيقته١.

ومنه: اشتباه علم التوكُّل بحال التوكُّل٢، فكثيرٌ من الناس يعرف التوكُّل وحقيقته وتفاصيله، فيظنُّ أنَّه بذلك متوكِّلٌ، وليس من أهل التوكُّل، فحال التوكُّل أمرٌ٣ وراء العلم به. وهذا كمعرفة المحبَّة والعلم بها وأسبابها ودواعيها وحال المحبِّ العاشق٤، ومعرفةِ٥ علم الخوف وحال الخوف٦. وهو شبيهٌ بمعرفة المريض ماهيَّة الصحَّة وحقيقتها وحالُه بخلافها.

فهذا الباب يكثر اشتباه الدعاوي فيه بالحقائق، والعوارض بالمطالب، والآفات القاطعة بالأسباب الموصلة، والله يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيمٍ.

فصل

والتوكُّل من أعمِّ المقامات تعلُّقًا بالأسماء الحسنى، فإنَّ له تعلُّقًا خاصًّا بعامَّة أسماء الأفعال وأسماء الصِّفات. فله تعلُّقٌ باسم الغفَّار، والتوَّاب،

  1. (١) انظر: «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٣٧، ٦٨٩) و«الاستقامة» (٢/ ٨٦ - ٨٧).
  2. (٢) ش: «المتوكلين».
  3. (٣) في ع زيادة: «آخر».
  4. (٤) ع: «وحالُ المحب العاشق وراء ذلك».
  5. (٥) ع: «وكمعرفة».
  6. (٦) ع: «وحالُ الخائف وراء ذلك».
401

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي