يقول: هذا عزمٌ منه على الرِّضا وحديثُ نفسٍ به، ولو أدخله النار لم يكن من ذلك شيء، وفرقٌ بين العزم على الشيء وبين حقيقته١.
ومنه: اشتباه علم التوكُّل بحال التوكُّل٢، فكثيرٌ من الناس يعرف التوكُّل وحقيقته وتفاصيله، فيظنُّ أنَّه بذلك متوكِّلٌ، وليس من أهل التوكُّل، فحال التوكُّل أمرٌ٣ وراء العلم به. وهذا كمعرفة المحبَّة والعلم بها وأسبابها ودواعيها وحال المحبِّ العاشق٤، ومعرفةِ٥ علم الخوف وحال الخوف٦. وهو شبيهٌ بمعرفة المريض ماهيَّة الصحَّة وحقيقتها وحالُه بخلافها.
فهذا الباب يكثر اشتباه الدعاوي فيه بالحقائق، والعوارض بالمطالب، والآفات القاطعة بالأسباب الموصلة، والله يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيمٍ.
فصل
والتوكُّل من أعمِّ المقامات تعلُّقًا بالأسماء الحسنى، فإنَّ له تعلُّقًا خاصًّا بعامَّة أسماء الأفعال وأسماء الصِّفات. فله تعلُّقٌ باسم الغفَّار، والتوَّاب،
والعفوِّ١، والرحيم. وتعلُّقًا٢ باسم الفتَّاح، والوهَّاب، والرزَّاق، والمعطي، والمحسن. وتعلُّقًا باسم المعزِّ المذلِّ، الخافض٣ الرَّافع، المانع، من جهة توكُّله عليه في إذلال أعداء دينه وخفضِهم ومنعِهم أسباب النصر. وتعلُّقًا بأسماء القدرة والإرادة. وله تعلُّق عامٌّ بجميع الأسماء الحسنى، ولهذا فسَّره من فسَّره من الأئمة بأنَّه المعرفة بالله. وإنَّما أراد أنَّه بحسب معرفة العبد يصحُّ له مقام التوكُّل، فكلَّما كان بالله أعرف كان توكُّله عليه أقوى.
فصل
وكثيرٌ من المتوكِّلين يكون مغبونًا في توكُّله، وقد توكَّل حقيقةَ التوكُّل وهو مغبونٌ، كمن صرف توكُّله إلى حاجةٍ جزويَّةٍ٤ استفرغ فيها قوَّة توكُّله، ويمكنه نيلها٥ بأيسر شيءٍ، وتفريغُ قلبه للتوكُّل في زيادة الإيمان والعلم ونصرة الدِّين والتأثير في العالم خيرًا؛ فهذا توكُّل العاجز القاصر الهمَّة. كما يصرف بعضهم همَّته وتوكُّله ودعاءه إلى وجعٍ يمكن مداواته بأدنى شيءٍ، أو
(١) ش، ج، ن: «الغفور». وكذا كان في الأصل ول، ثم محيت الراء في الأصل وضُرب عليها في ل، وضرب على نقطة الغين فيهما لتصير فتحةً، مع كتابة «ع» صغيرة تحتها في الأصل للدلالة على الإهمال.
(٢) كذا هنا وفي الموضعين الآتيين، على توهُّم عطفه على «فإن له تعلقًا».
(٣) سقط من ع، ورُسم في ل، ج، ن بالظاء المشالة، فأثبت محقق طبعة الصميعي: «الحافظ» مع أنه مقرون بـ «الرافع»، وسيأتي قوله: «إذلال أعداء دينه وخفضِهم».