مدارج السالكين

جوعٍ يمكن زواله بنصف درهمٍ١، ويدع صرفه إلى نصرة الدِّين وقمع المبتدعين٢ ومصالح المسلمين.

فصل

قال صاحب «المنازل» ﵀٣: (التوكُّل كِلَة الأمر إلى مالكه، والتعويل على وكالته. وهو من أصعب منازل العامَّة عليهم، وأوهى السُّبل عند الخاصَّة، لأنَّ الحقَّ قد وكل الأمور كلَّها إلى نفسه، وأَيأَس العالَم مِن ملك شيءٍ منها).

قوله: (كلة الأمر إلى مالكه)، أي تسليمه إلى من هو بيده.

(والتعويل على وكالته)، أي الاعتماد على قيامه بالأمر، والاستغناء بفعله عن فعلك، وإرادته عن إرادتك. والوكالة يراد بها أمران، أحدهما: التوكيل٤، وهو الاستنابة والتفويض. والثاني: التوكُّل، وهو التصرُّف بطريق النِّيابة عن الموكِّل، وهذا من الجانبين، فإنَّ الله ﷿ يوكِّل العبد ويقيمه في حفظ٥ ما وكَّله فيه، والعبد يوكِّل الربَّ ويعتمد عليه.

فأمَّا وكالة الربِّ عبدَه، ففي قوله: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩]، قال قتادة: وكَّلنا بها الأنبياء الثمانية عشر

  1. (١) ع: «بنصف رغيفٍ أو نصف درهم».
  2. (٢) في ع زيادة: «وزيادة الإيمان».
  3. (٣) (ص ٣٣).
  4. (٤) الأصل، ل، ن، ع: «التوكل»، تصحيف.
  5. (٥) في النسخ عدا ع: «حفظه»، إلا أن هاء الضمير مُحيت من ل، وهو الصواب.
403

الذين ذكرناهم ــ يعني قبل هذه الآية. وقال أبو رجاءٍ العُطارديُّ: معناه: إن يكفر بها أهل الأرض، فقد وكَّلنا بها أهل السماء وهم الملائكة. وقال ابن عباسٍ ومجاهدٌ: هم الأنصار وأهل المدينة١. والصواب: أنَّ المراد من قام بها إيمانًا ودعوةً وجهادًا ونصرةً، فهؤلاء هم الذين وكّلهم الله بها.

فإن قلت: فهل يصحُّ أن يقال: إنَّ أحدًا وكيل الله؟

قلت: لا، فإنَّ الوكيل من يتصرَّف عن٢ موكِّله بطريق النِّيابة، واللهُ ﷿ لا نائب له، ولا يخلفه أحدٌ، بل هو الذي يخلف عبده كما قال النبيُّ ﷺ: «اللهمَّ أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل»٣. على أنّه لا يمتنع أن يطلق ذلك باعتبار أنّه مأمورٌ بحفظ ما وُكِّل فيه ورعايته والقيام به٤.

وأمَّا توكيل العبد ربَّه فهو تفويضه إليه وعزلُ نفسه عن التصرُّف، وإثباته لأهله ووليِّه. ولهذا قيل في التوكُّل: إنَّه عزلُ النفس عن الرُّبوبيَّة وقيامُها بالعبوديَّة٥. وهذا معنى كون الربِّ وكيلَ عبده، أي كافيه والقائم بأموره ومصالحه، لا أنه نائبه في التصرُّف.

فوكالة الربِّ عبده أمرٌ وتعبُّد وإحسانٌ إليه، وخلعةٌ منه عليه، لا عن ح

  1. (١) أقوالهم عدا قول مجاهد أخرجها الطبري في «تفسيره» (٩/ ٣٨٩، ٣٩٠). والمؤلف صادر عن «معالم التنزيل» (٣/ ١٦٦).
  2. (٢) الأصل: «من».
  3. (٣) أخرجه مسلم (١٣٤٢) من حديث ابن عمر.
  4. (٤) وانظر: «مفتاح دار السعادة» (١/ ٤٦٠).
  5. (٥) هو قول ذي النون، وقد سبق عزوه.
404

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي