الذين ذكرناهم ــ يعني قبل هذه الآية. وقال أبو رجاءٍ العُطارديُّ: معناه: إن يكفر بها أهل الأرض، فقد وكَّلنا بها أهل السماء وهم الملائكة. وقال ابن عباسٍ ومجاهدٌ: هم الأنصار وأهل المدينة١. والصواب: أنَّ المراد من قام بها إيمانًا ودعوةً وجهادًا ونصرةً، فهؤلاء هم الذين وكّلهم الله بها.
فإن قلت: فهل يصحُّ أن يقال: إنَّ أحدًا وكيل الله؟
قلت: لا، فإنَّ الوكيل من يتصرَّف عن٢ موكِّله بطريق النِّيابة، واللهُ ﷿ لا نائب له، ولا يخلفه أحدٌ، بل هو الذي يخلف عبده كما قال النبيُّ ﷺ: «اللهمَّ أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل»٣. على أنّه لا يمتنع أن يطلق ذلك باعتبار أنّه مأمورٌ بحفظ ما وُكِّل فيه ورعايته والقيام به٤.
وأمَّا توكيل العبد ربَّه فهو تفويضه إليه وعزلُ نفسه عن التصرُّف، وإثباته لأهله ووليِّه. ولهذا قيل في التوكُّل: إنَّه عزلُ النفس عن الرُّبوبيَّة وقيامُها بالعبوديَّة٥. وهذا معنى كون الربِّ وكيلَ عبده، أي كافيه والقائم بأموره ومصالحه، لا أنه نائبه في التصرُّف.
فوكالة الربِّ عبده أمرٌ وتعبُّد وإحسانٌ إليه، وخلعةٌ منه عليه، لا عن ح
(١) أقوالهم عدا قول مجاهد أخرجها الطبري في «تفسيره» (٩/ ٣٨٩، ٣٩٠). والمؤلف صادر عن «معالم التنزيل» (٣/ ١٦٦).
(٢) الأصل: «من».
(٣) أخرجه مسلم (١٣٤٢) من حديث ابن عمر.
(٤) وانظر: «مفتاح دار السعادة» (١/ ٤٦٠).
(٥) هو قول ذي النون، وقد سبق عزوه.
اجةٍ منه وافتقارٍ إليه، كموالاته له. وأمَّا توكيل العبد ربّه فتسليمٌ لربوبيَّته وقيامٌ بعبوديَّته.
وقوله: (وهو من أصعب منازل العامَّة عليهم)، لأنَّ العامَّة لم يخرجوا عن نفوسهم ومألوفاتهم، ولم يشاهدوا الحقيقة التي شهدها الخاصَّة، وهي التي تشهد١ التوكل٢، فهم في رقِّ الأسباب، فيصعب عليهم الخروجُ عنها، وخلوُّ القلب منها، والاشتغالُ بملاحظة المسبِّب وحده.
وأمّا كونه (أوهى السُّبل عند الخاصَّة)، فليس على إطلاقه، بل هو من أجلِّ السُّبل عندهم وأفضلها وأعظمها قدرًا. وقد تقدَّم في صدر الباب أمرُ الله رسولَه بذلك، وحضُّه عليه هو والمؤمنين. ومن أسمائه ﷺ: المتوكِّل٣، وتوكُّله أعظم توكُّلٍ.
وقد قال الله٤: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾[النمل: ٧٩]، وفي ذكر أمره بالتوكُّل٥ مع إخباره بأنَّه على الحقِّ دلالةٌ على أن الدِّين مجموعُه٦ في هذين الأمرين: أن يكون العبد على الحقِّ في قوله وعمله
(١) كذا في النسخ، وأخشى أن يكون تصحيفًا عن «تثمر»، على غرار ما سبق (ص ٢٤٧) من قوله: «والإيمان بالقدر يثمر التوكل».
(٢) ع: «التوكيل».
(٣) هكذا سمِّي في التوراة على ما أخبر به عبد الله بن عمرو بن العاص في حديثٍ له عن صفة النبي ﷺ فيها. أخرجه البخاري (٢١٢٥).
(٤) في ع زيادة: «له».
(٥) «وقد قال الله ...» إلى هنا ساقط من طبعة الصميعي.