مدارج السالكين

وجعل لكلِّ عملٍ من أعمال البرِّ ومقامٍ من مقاماته جزاءً معلومًا، وجعل نفسَه جزاء المتوكِّل عليه وكفايتَه، فقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ﴾ [الطلاق: ٥]، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤]، ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦٩]، ثمَّ قال في التوكُّل١: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، فانظر إلى هذا الجزاء الذي حصل للمتوكِّل٢، ولم يجعله لغيره. وهذا يدلُّ على أنَّ التوكُّل أقوى السُّبل عنده وأحبُّها إليه.

وليس كونه وكل الأمور إلى نفسه بمنافٍ لتوكُّل العبد عليه. بل هذا تحقيق كون الأمور كلِّها موكولةً إلى نفسه، لأنَّ العبد إذا علم ذلك وتحقَّقه معرفةً صارت حالُه التوكُّلَ قطعًا على من هذا شأنه، لعلمه بأنَّ الأمور كلَّها موكولة إليه وأنَّ العبد لا يملك شيئًا منها البتة. فهو لا يجد بدًّا من اعتماده عليه، وتفويضه إليه، واستناده إليه، وثقته به؛ من الوجهين: من جهة فقره وعدم ملكه شيئًا البتَّة، ومن جهة كون الأمر كلِّه بيده وإليه، والتوكُّل ينشأ من هذين العِلمين.

فإن قيل: فإذا كان الأمر كلُّه لله، وليس للعبد من الأمر شيء، فكيف يوكِّل المالكَ على ملكه؟ وكيف يستنيبه فيما هو ملكٌ له دون هذا الموكِّل؟ فالخاصَّة لمَّا تحقَّقوا هذا نزلوا عن مقام التوكُّل وسلَّموه إلى العامَّة، وبقي الخطاب بالتوكُّل لهم دون الخاصَّة.

  1. (١) ش: «المتوكل»، وفي الأصل محتمل.
  2. (٢) ش: «للمتوكلين».
407

قيل: لمَّا كان الأمر كلُّه لله ﷿، وليس للعبد فيه شيءٌ البتَّة= كان توكُّله على الله تسليمَ الأمر إلى من هو له، وعزلَ نفسه عن منازعات مالكه، واعتمادَه عليه فيه، وخروجَه عن تصرُّفه بنفسه وحوله وقوَّته وكونه به إلى تصرُّفه بربِّه وكونه به سبحانه دون نفسه. وهذا مقصود التوكُّل.

وأمَّا عزل العبد نفسه عن مقام التوكُّل، فهو عزلٌ لها عن حقيقة العبودية.

وأمّا توجُّه الخطاب به إلى العامَّة، فيا سبحان الله! هل خاطب الله بالتوكُّل في كتابه إلا خواصَّ خلقه، وأقربهم إليه، وأكرمهم عليه؟ وشرط في إيمانهم أن يكونوا متوكِّلين، والمعلَّق على الشرط عدمٌ عند عدمه، وهذا يدلُّ على انتفاء الإيمان عند انتفاء التوكُّل، فمن لا توكُّل له لا إيمان له، قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]. وقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢].

وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢]. وهذا يدلُّ على انحصار المؤمنين فيمن كان بهذه الصِّفة.

وأخبر عن رسله بأنَّ التوكُّل ملجؤهم ومعاذهم. وأمر به رسوله في أربع١ مواضع من كتابه٢. فكيف يكون من أوهى السُّبل وهذا شأنه؟

  1. (١) كذا في النسخ، على تقدير: أربع آيات.
  2. (٢) يشير المؤلف إلى الآيات الأربع التي ذكرها في مطلع باب التوكل (ص ٣٨١)، وهي: آل عمران: ١٥٩، النساء: ٨١، الفرقان: ٥٨، النمل: ٧٩. وهناك آيات أخرى أمر الله فيها رسوله بالتوكل، كقوله تعالى في خاتمة هود: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾، وقوله في مطلع الأحزاب: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾، وغيرهما.
408

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي