مدارج السالكين

إشارة الخلق إليه، الموجبةِ لحسن ظنِّه بنفسه الموجبِ لدعواه، فالسبب سترٌ لحاله ومقامه وحجابٌ مسبلٌ عليه.

ومن وجهٍ آخر، وهو أنه يشهد به فقرَه وذلَّه وامتهانَه امتهانَ العبيد والفَعَلةِ١، فيتخلَّص من رعونة دعوى النفس، فإنَّه إذا امتهن نفسه بمعاطاة الأسباب سَلِم من هذه الأمراض.

فيقال: إذا كانت الأسباب مأمورًا بها ففيها فائدةٌ أجلُّ من هذه الثلاث، وهي المقصودة بالقصد الأوَّل، وهذه مقصودةٌ قصدَ الوسائل، وهي القيام بالعبوديَّة؛ الأمر٢ الذي خلق له العبد، وأرسلت به الرُّسل، وأنزلت لأجله الكتب، وبه قامت السّماوات والأرض، وله وُجدت الجنة والنار.

فالقيام بالأسباب المأمور بها محضُ العبوديَّة وحقُّ الله على عبده الذي توجَّهت به نحوه المطالب، وترتَّب عليه الثواب والعقاب.

فصل

قال٣: (الدرجة الثانية: التوكُّل مع إسقاط الطلب، وغضِّ العين عن السبب؛ اجتهادًا لتصحيح التوكُّل، وقمعًا لشرف النفس، وتفرُّغًا إلى حفظ الواجبات).

قوله: (مع إسقاط الطلب)، أي من الخلق٤، فلا يطلب من أحدٍ شيئًا.

  1. (١) أي: الذين يعملون عمل الطين والحَفْر وما أشبه ذلك.
  2. (٢) ع: «والأمر»، خطأ.
  3. (٣) «المنازل» (ص ٣٤).
  4. (٤) زاد في ع: «لا من الحق».
410

وهذا من أحسن الكلام وأنفعه للمريد، فإنَّ الطلب من الخلق في الأصل محظور، وغايته أن يباح للضرورة كإباحة الميتة للمضطرِّ، ونصَّ أحمد ﵁ على أنَّه لا يجب١. وكذلك كان شيخنا يشير إليه؛ أنَّه لا يجب الطلب والسُّؤال٢.

وسمعته يقول في السُّؤال: «ظلمٌ في حقِّ الربوبيَّة، وظلمٌ في حقِّ الخلق، وظلمٌ في حقِّ النفس.

أمَّا في حقِّ الربوبية فلِما فيه من الذُّلِّ لغير الله، وإراقة ماء الوجه لغير خالقه، والتعوُّض عن سؤاله بسؤال المخلوقين.

وأمَّا في حقِّ الناس فبمنازعتهم ما في أيديهم بالسُّؤال واستخراجه منهم. وأبغض ما إليهم من يسألهم، وأحبُّ ما إليهم من لا يسألهم، فإنَّ أموالهم محبوباتهم، ومن سألك محبوبك تعرَّض لمقتك وبغضك.

وأمَّا في ظلم السَّائل لنفسه٣: حيث امتهنها وأقامها في مقام ذلِّ السُّؤال، ورضي لها بذلِّ الطّلب٤ وأهانها بذلك، ورضي أن يكون شحَّاذًا من شحَّاذٍ مثله، فإنَّ من تشحذه فهو أيضًا شحَّاذ مثلك، واللهُ وحده هو الغنيُّ، فسؤال

  1. (١) أي: لا يجب سؤال الناس عند الضرورة، مع إيجابه ﵀ الأكلَ من الميتة عند الضرورة.
  2. (٢) انظر: «الرد على البكري» (ص ١٩٠) و«جامع المسائل» (٤/ ٣٥٨).
  3. (٣) ع: «وأما ظلمُ السائل نفسَه فلأنه».
  4. (٤) زيد في ع: «ممن هو مثله أو لعل السائل خيرًا (كذا) منه وأعلى قدرًا، وترك سؤال من ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فقد أقام السائل نفسه مقام الذل».
411

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي