وهذا من أحسن الكلام وأنفعه للمريد، فإنَّ الطلب من الخلق في الأصل محظور، وغايته أن يباح للضرورة كإباحة الميتة للمضطرِّ، ونصَّ أحمد ﵁ على أنَّه لا يجب١. وكذلك كان شيخنا يشير إليه؛ أنَّه لا يجب الطلب والسُّؤال٢.
وسمعته يقول في السُّؤال: «ظلمٌ في حقِّ الربوبيَّة، وظلمٌ في حقِّ الخلق، وظلمٌ في حقِّ النفس.
أمَّا في حقِّ الربوبية فلِما فيه من الذُّلِّ لغير الله، وإراقة ماء الوجه لغير خالقه، والتعوُّض عن سؤاله بسؤال المخلوقين.
وأمَّا في حقِّ الناس فبمنازعتهم ما في أيديهم بالسُّؤال واستخراجه منهم. وأبغض ما إليهم من يسألهم، وأحبُّ ما إليهم من لا يسألهم، فإنَّ أموالهم محبوباتهم، ومن سألك محبوبك تعرَّض لمقتك وبغضك.
وأمَّا في ظلم السَّائل لنفسه٣: حيث امتهنها وأقامها في مقام ذلِّ السُّؤال، ورضي لها بذلِّ الطّلب٤ وأهانها بذلك، ورضي أن يكون شحَّاذًا من شحَّاذٍ مثله، فإنَّ من تشحذه فهو أيضًا شحَّاذ مثلك، واللهُ وحده هو الغنيُّ، فسؤال
(١) أي: لا يجب سؤال الناس عند الضرورة، مع إيجابه ﵀ الأكلَ من الميتة عند الضرورة.
(٤) زيد في ع: «ممن هو مثله أو لعل السائل خيرًا (كذا) منه وأعلى قدرًا، وترك سؤال من ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فقد أقام السائل نفسه مقام الذل».
المخلوق للمخلوق سؤال الفقير للفقير»١.
والربُّ تعالى كلَّما سألته كَرُمتَ عليه ورضي عنك وأحبَّك، والمخلوق كلَّما سألته هنت عليه وأبغضك٢ وقلاك، كما قيل٣:
الله يغضب إن تركت سؤالهوبُنيُّ آدمَ حين يُسأل يغضبُ
وقبيحٌ بالعبد المريد، أن يتعرَّض لسؤال العبيد، وهو يجد عند مولاه كلَّ ما يريد. وفي «صحيح مسلم»٤ عن عوف بن مالكٍ الأشجعيِّ ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ تسعةً ــ أو ثمانيةً أو سبعةً ــ فقال: «ألا تبايعون رسول الله ــ ﷺ ــ؟»، وكنَّا حديثَ عهدٍ ببيعةٍ فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، ثمَّ قال: «ألا تبايعون رسول الله؟»، فبسطنا أيدينا وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، فعلامَ نبايعك؟ فقال: «أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئًا، والصَّلوات الخمس» وأسرَّ كلمةً خفيَّةً: «ولا تسألوا الناس شيئًا»، ولقد رأيت بعض أولئك النّفر يسقط سوطُ أحدهم فما يسأل أحدًا يناوله إيَّاه.
وفي «الصحيحين»٥ عن ابن عمر عن النبيِّ ﷺ قال: «لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى اللهَ وليس في وجهه مُزعة لحمٍ».
(١) ذكر شيخ الإسلام نحوه في «قاعدة في التوسل والوسيلة» ضمن «مجموع الفتاوى» (١/ ١٩٤ - ١٩٥).
(٢) في ع زيادة: «ومقتك».
(٣) أنشده الأصمعي كما في «الدر الفريد» (٢/ ٤٣). وفي «العزلة» للخطابي (ص ١٨٠): أنشدني الخُزيمي. وهو مع بيتٍ قبله في «المستطرف» (ص ٣٠٣).