والربُّ تعالى كلَّما سألته كَرُمتَ عليه ورضي عنك وأحبَّك، والمخلوق كلَّما سألته هنت عليه وأبغضك٢ وقلاك، كما قيل٣:
الله يغضب إن تركت سؤالهوبُنيُّ آدمَ حين يُسأل يغضبُ
وقبيحٌ بالعبد المريد، أن يتعرَّض لسؤال العبيد، وهو يجد عند مولاه كلَّ ما يريد. وفي «صحيح مسلم»٤ عن عوف بن مالكٍ الأشجعيِّ ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ تسعةً ــ أو ثمانيةً أو سبعةً ــ فقال: «ألا تبايعون رسول الله ــ ﷺ ــ؟»، وكنَّا حديثَ عهدٍ ببيعةٍ فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، ثمَّ قال: «ألا تبايعون رسول الله؟»، فبسطنا أيدينا وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، فعلامَ نبايعك؟ فقال: «أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئًا، والصَّلوات الخمس» وأسرَّ كلمةً خفيَّةً: «ولا تسألوا الناس شيئًا»، ولقد رأيت بعض أولئك النّفر يسقط سوطُ أحدهم فما يسأل أحدًا يناوله إيَّاه.
وفي «الصحيحين»٥ عن ابن عمر عن النبيِّ ﷺ قال: «لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى اللهَ وليس في وجهه مُزعة لحمٍ».
(١) ذكر شيخ الإسلام نحوه في «قاعدة في التوسل والوسيلة» ضمن «مجموع الفتاوى» (١/ ١٩٤ - ١٩٥).
(٢) في ع زيادة: «ومقتك».
(٣) أنشده الأصمعي كما في «الدر الفريد» (٢/ ٤٣). وفي «العزلة» للخطابي (ص ١٨٠): أنشدني الخُزيمي. وهو مع بيتٍ قبله في «المستطرف» (ص ٣٠٣).
(٤) برقم (١٠٤٣).
(٥) البخاري (١٤٧٤) ومسلم (١٠٤٠/ ١٠٣) واللفظ له.
وفيهما١ أيضًا عنه أنَّ رسول الله ﷺ قال وهو على المنبر ــ وذكر الصَّدقة والتعفُّف عن المسألة ــ: «اليد العليا خيرٌ من اليد السُّفلى. واليد العليا هي المنفقة، والسُّفلى هي السائلة».
وفي «صحيح مسلم»٢ عن أبي هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ: «من سأل الناس تكثُّرًا فإنَّما يسأل جمرًا، فليستقلَّ أو ليستكثِرْ».
وفي «الترمذي»٣ عن سمرة بن جندبٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ المسألة كدٌّ يكُدُّ بها الرجل وجهه٤، إلَّا أن يسأل الرجل سلطانًا، أو في أمرٍ لا بدَّ منه». قال الترمذي: حديث صحيح.
وفيه٥ عن ابن مسعودٍ ﵁ مرفوعًا: «من أصابته فاقةٌ فأنزلها بالنَّاس لم تُسَدَّ فاقتُه، ومن أنزلها بالله فيوشك الله له برزقٍ عاجلٍ أو آجلٍ».
(١) البخاري (١٤٢٩) ومسلم (١٠٣٣).
(٢) برقم (١٠٤١).
(٣) برقم (٦٨١). وأخرجه أيضًا أحمد (٢٠١٠٦، ٢٠٢١٩) وأبو داود (١٦٣٩) والنسائي (٢٥٩٩) وابن حبان (٣٣٨٦، ٣٣٩٧).
(٤) أي: ذلٌّ يذل بها وجهه، ويُريق بها ماءه. وفي أكثر الروايات: «كدوح يكدَح بها وجهه»، أي: خدوش يخدش بها وجهه.
(٥) برقم (٢٣٢٦) وقال: «حديث حسن صحيح غريب». وأخرجه أيضًا أحمد (٣٦٩٦) وأبو داود (١٦٤٥) وأبو يعلى (٥٣١٧) والحاكم (١/ ٤٠٨) على اختلاف في لفظه. انظر: «الصحيحة» (٢٧٨٧). وسيأتي لفظ أبي داود في شرح منزلة الرضا عن الله (ص ٥٧٣ - ٥٧٤).