وفي «السُّنن» و«المسند»١ عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من يَكْفُلُ لي أن لا يسأل الناس شيئًا أتكفَّلُ له بالجنَّة؟»، فقلت: أنا. فكان لا يسأل أحدًا شيئًا.
وفي «صحيح مسلم»٢ عن قبيصة ﵁ عن النبيِّ ﷺ: «إنَّ المسألة لا تحلُّ إلَّا لأحد ثلاثةٍ: رجلٌ تحمَّل حَمالةً، فحلَّت له المسألة حتَّى يصيبها ثمَّ يمسك. ورجلٌ أصابته جائحةٌ اجتاحت ماله فحلّت له المسألة حتى يصيب قِوامًا من عيشٍ ــ أو قال: سدادًا من عيشٍ ــ. ورجل أصابته فاقةٌ حتَّى يقول ثلاثةٌ من ذوي الحِجى من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقةٌ، فحلَّت له المسألة حتّى يصيب قِوامًا من عيشٍ ــ أو قال: سدادًا من عيشٍ ــ. فما سِواهنَّ من المسألة ــ يا قبيصةُ ــ فسحتٌ يأكلها صاحبها سحتًا».
فالتوكُّل مع إسقاط هذا الطلب والسُّؤال هو محض العبوديَّة.
قوله: (وغضِّ العين عن التسبُّب٣ اجتهادًا في تصحيح التوكُّل).
معناه: أنَّه يُعرض عن الاشتغال بالسبب لتصحيح التوكُّل بامتحان النفس، لأنَّ المتعاطي للسبب قد يظنُّ أنَّه حصَّل التوكُّل، ولم يحصِّله لثقته
(١) «السنن» لأبي داود (١٦٤٣) ــ واللفظ له ــ و«مسند أحمد» (٢٢٣٦٦، ٢٢٣٨٥)، وأخرجه أيضًا النسائي (٢٥٩٠) وابن ماجه (١٨٣٧) والطيالسي (١٠٨٧) والطبراني في «الكبير» (٢/ ٩٨) والحاكم (١/ ٤١٢) وغيرهم؛ من طريقين صحيحين عن ثوبان. انظر: «صحيح أبي داود ــ الأم» للألباني (٥/ ٣٤٢).
(٢) برقم (١٠٤٤).
(٣) ش: «السبب»، وهو لفظ «المنازل» كما سبق.
بمعلومه، فإذا أعرض عن السبب صحَّ له التوكُّل.
وهذا الذي أشار إليه مذهبُ قومٍ من العبَّاد والسالكين. وكثيرٌ منهم كان يدخل البادية بلا زادٍ، ويرى حمل الزَّاد قدحًا في التوكُّل، ولهم في ذلك حكايات مشهورة. وهؤلاء في خفارة صدقهم، وإلَّا فدرجتهم ناقصةٌ عند العارفين.
ومع هذا فلا يمكن بشرًا البتَّة تركُ الأسباب جملةً. فهذا إبراهيم الخوَّاص ﵀ كان مجرِّدًا في التوكُّل يدقِّق فيه، ويدخل البادية بغير زادٍ، وكان لا تفارقه الإبرة والخيوط والرَّكوة والمقراض. فقيل له: لم تحمل هذا وأنت تمنع من كلِّ شيءٍ؟ فقال: مثل هذا لا ينقص التّوكُّل، لأنَّ لله تعالى علينا فرائض، والفقير لا يكون عليه إلا ثوب واحد، فربَّما تخرَّق ثوبه، فإذا لم يكن معه إبرة وخيوط تبدو عورته، فتَفسُد عليه صلاتُه، وإذا لم يكن معه ركوةٌ فسد١ عليه طهارتُه. وإذا رأيت الفقير بلا ركوةٍ ولا إبرةٍ وخيوطٍ٢ فاتَّهمه في صلاته٣.
أفلا تراه لم يستقم له دينه إلَّا بالأسباب؟ أَوَليست٤ حركةُ أقدامه،
(١) ع: «فسدت».
(٢) ع: «رأيت الفقير عارٍ عن هذه الأشياء»، والمثبت من سائر النسخ موافق لمصدر النقل.
(٣) أسنده القشيري (ص ٤١٤) ومن طريقه الخطيب في «تاريخه» (٦/ ٤٩٣).
(٤) همزة الاستفهام من ع دون سائر النسخ، وبها يستقيم المعنى. وفي الأصل ول حاول بعضهم إقامة السياق بزيادة «إلا» قبل «من الأسباب»، فكُتب فيهما بخط مغاير فوق السطر. والمثبت من ع أولى.