مدارج السالكين

ونقلُها في الطريق، والاستدلالُ على أعلامها إذا خفيت عليه= مِن الأسباب؟ فالتجرُّد من الأسباب جملةً ممتنعٌ عقلًا وشرعًا وحسًّا.

نعم، قد تعرِض للصادق أحيانًا قوَّةُ ثقةٍ بالله، وحالٌ مع الله تحمله على ترك كلِّ سببٍ غير مفروضٍ عليه، كما تحمله على إلقاء نفسه في مواضع الهلكة. ويكون ذلك الوقت بالله لا به، فيأتيه مددٌ من الله على مقتضى حاله. ولكن لا يدوم له هذا الحال، وليست في مقتضى الطبيعة، فإنها كانت هجمةً هجمت عليه بلا استدعاءٍ فحمل عليها. فإذا استدعى مثلَها وتكلَّفها لم يُجَب إلى ذلك. وفي تلك الحال إذا ترك السبب يكون١ معذورًا لقوَّة الوارد وعجزه عن الاشتغال بالسبب، فيكون في وارده عونٌ له، ويكون حاملًا له. فإذا أراد تعاطي تلك الحال بدون ذلك الوارد وقع في المحال.

وكلُّ تلك الحكايات الصحيحة التي تُحكى عن القوم فهي جزئيَّة حصلت لهم أحيانًا، ليست طريقًا مأمورًا بسلوكها، ولا مقدورة. وصارت فتنةً لطائفتين:

طائفةٌ ظنَّتها طريقًا ومقامًا، فعملوا عليها، فمنهم من انقطع، ومنهم من رجع ولم يمكنه الاستمرار عليها٢.

وطائفةٌ قدحوا في أربابها، وجعلوهم مخالفين للشرع والعقل، مدَّعين لأنفسهم حالًا أكمل من حال رسول الله ﷺ وأصحابه، إذ لم يكن فيهم أحدٌ

  1. (١) ش: «لم يكن»، وكذا كان في الأصل ثم أُصلح، وكُتب في هامش ش: «صوابه: كان معذورًا».
  2. (٢) زاد في ع: «بل انقلب على عقبيه».
416

قطُّ فعل ذلك، ولا أخلَّ بشيءٍ من الأسباب. وقد ظاهر رسول الله ﷺ بين درعين يوم أحدٍ١، ولم يحضر الصفَّ قطُّ عريانًا كما يفعله من لا علم عنده ولا معرفة. واستأجر دليلًا مشركًا على دين قومه يدلُّه على طريق الهجرةوقد هدى الله به العالمين٢. وكان يَدَّخر لأهله قوت سنةٍ وهو سيِّد المتوكِّلين٣. وكان إذا سافر في جهادٍ أو حجٍّ أو عمرةٍ حمل معه الزاد والمزاد وجميعُ أصحابه، وهم أهل التوكُّل حقًّا.

وأكمل المتوكِّلين بعدهم من اشتمَّ رائحة توكُّلهم من مسيرةٍ بعيدةٍ، أو لحق أثرَ غباره٤. فأحوال القوم٥ محكُّ الأحوال وميزانها، بها يعلم صحيحها من سقيمها.

وكانت هممهم٦ في التوكُّل أعلى من همم من بعدهم، فإنَّ توكُّلهم كان في فتح القلوب٧ والبلاد٨. فملؤوا بذلك التوكُّلِ القلوبَ هدًى

  1. (١) كما في حديث السائب بن يزيد عند أحمد (١٥٧٢٢) والنسائي في «الكبرى» (٨٥٢٩) وابن ماجه (٢٨٠٦) بإسناد صحيح. وفي الباب حديث الزبير عند الترمذي (١٦٩٢) وابن حبان (٦٩٧٩) والحاكم (٣/ ٢٥) بإسناد حسن.
  2. (٢) كما في حديث عائشة ﵂ عند البخاري (٢٢٦٣).
  3. (٣) كما في حديث عمر ﵁ عند البخاري (٥٣٥٧) ومسلم (١٧٥٧).
  4. (٤) أي: غبار توكلهم. وفي ع: «أثرًا من غبارهم».
  5. (٥) ع: «فحال النبي ﷺ وحال أصحابه».
  6. (٦) ع: «فإن هممهم كانت».
  7. (٧) ع: «فتح بصائر القلوب».
  8. (٨) زاد في ع: «وأن يُعبد الله في جميع البلاد، وأن يوحِّده جميع العباد».
417

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي