قطُّ فعل ذلك، ولا أخلَّ بشيءٍ من الأسباب. وقد ظاهر رسول الله ﷺ بين درعين يوم أحدٍ١، ولم يحضر الصفَّ قطُّ عريانًا كما يفعله من لا علم عنده ولا معرفة. واستأجر دليلًا مشركًا على دين قومه يدلُّه على طريق الهجرةوقد هدى الله به العالمين٢. وكان يَدَّخر لأهله قوت سنةٍ وهو سيِّد المتوكِّلين٣. وكان إذا سافر في جهادٍ أو حجٍّ أو عمرةٍ حمل معه الزاد والمزاد وجميعُ أصحابه، وهم أهل التوكُّل حقًّا.
وأكمل المتوكِّلين بعدهم من اشتمَّ رائحة توكُّلهم من مسيرةٍ بعيدةٍ، أو لحق أثرَ غباره٤. فأحوال القوم٥ محكُّ الأحوال وميزانها، بها يعلم صحيحها من سقيمها.
وكانت هممهم٦ في التوكُّل أعلى من همم من بعدهم، فإنَّ توكُّلهم كان في فتح القلوب٧ والبلاد٨. فملؤوا بذلك التوكُّلِ القلوبَ هدًى
(١) كما في حديث السائب بن يزيد عند أحمد (١٥٧٢٢) والنسائي في «الكبرى» (٨٥٢٩) وابن ماجه (٢٨٠٦) بإسناد صحيح. وفي الباب حديث الزبير عند الترمذي (١٦٩٢) وابن حبان (٦٩٧٩) والحاكم (٣/ ٢٥) بإسناد حسن.
(٢) كما في حديث عائشة ﵂ عند البخاري (٢٢٦٣).
(٣) كما في حديث عمر ﵁ عند البخاري (٥٣٥٧) ومسلم (١٧٥٧).
(٤) أي: غبار توكلهم. وفي ع: «أثرًا من غبارهم».
(٥) ع: «فحال النبي ﷺ وحال أصحابه».
(٦) ع: «فإن هممهم كانت».
(٧) ع: «فتح بصائر القلوب».
(٨) زاد في ع: «وأن يُعبد الله في جميع البلاد، وأن يوحِّده جميع العباد».
وإيمانًا، وفتحوا به بلاد الكفر وجعلوها ديار إيمانٍ١. وكانت هممهم٢ أعلى وأجلَّ من أن يصرف أحدُهم قوَّةَ توكُّله واعتماده على الله في شيءٍ يحصل بأدنى حيلةٍ وسعيٍ، فيجعله نُصبَ عينيه ويحمل عليه قوى توكُّله.
قوله: (وقمعًا لشرف النفس)، يريد أنَّ المتسبِّب قد يكون متسبِّبًا بالولايات الشريفة في العبادة٣، أو التِّجارات الرفيعة، والأسباب التي له بها جاهٌ وشرفٌ في الناس، فإذا تركها يكون تركُها قمعًا لشرف نفسه وإيثارًا للتواضع.
وقوله: (وتفرُّغًا لحفظ الواجبات)، أي يتفرَّغ بتركها لحفظ واجباته التي تزاحمها تلك الأسباب.
فصل
قال٤: (الدرجة الثالثة: التوكُّل مع معرفة التوكُّل، النازعةِ إلى الخلاص من علَّة التوكُّل. وهي أن يعلم أنَّ مَلَكة الحقِّ تعالى للأشياء هي مَلَكةُ عزَّةٍ، لا يشاركه فيها مشارك، فيكِلَ شركتَه إليه، فإنَّ من ضرورة العبوديَّة أن يعلم العبد أنَّ الحقَّ هو مالك الأشياء وحده).
(١) زاد في ع: «وهبَّت رياح روح نسمات التوكل على قلوب أتباعهم فملأتها يقينًا وإيمانًا».
(٢) ع: «همم الصحابة».
(٣) كذا في النسخ. وأخشى أن يكون تصحيفًا عن «في العادة»، ففي «شرح التلمساني» (ص ٢٠٠) ــ والمؤلف صادر عنه هنا ــ: «عادةً».