مدارج السالكين

يريد أنَّ صاحب هذه الدرجة متى قطع الأسباب والطلب، وتعدَّى تلك الدرجتين، فتوكُّله فوق توكُّل من قبله. وهو إنّما يكون بعد معرفته بحقيقة التوكُّل، وأنَّه دون مقامه، فتكون معرفته به وبحقيقته١ نازعةً ــ أي باعثةً وداعيةً ــ إلى تخلُّصه من علَّة التوكُّل. أي: لا يعرف علّة التّوكُّل حتّى يعرف حقيقته، فحينئذٍ يعرف التوكُّل المعرفةَ التي تدعوه إلى التخلُّص من علَّته.

ثمَّ بيَّن المعرفة التي يعلم بها٢ علَّة التوكُّل، فقال: (أن يعلم أنَّ ملكة الحقِّ للأشياء ملكة عزَّةٍ)، أي: ملكة امتناعٍ وقوَّةٍ وقهرٍ، تمنع أن يشاركه في ملكه لشيءٍ من الأشياء مشاركٌ، فهو العزيز في ملكه، الذي لا يشاركه غيره في ذرَّةٍ منه، كما هو المتفرِّد٣ بعزَّته التي لا يشاركه فيها مشاركٌ.

فالمتوكِّل يرى أنَّ له شيئًا قد وكَّل الحقَّ فيه، وأنّه سبحانه صار وكيلَه عليه. وهذا مخالفٌ لحقيقة الأمر، إذ ليس لأحدٍ من الأمر مع الله تعالى شيءٌ، فلهذا قال: (لا يشاركه فيه مشارك، فيكِلَ شركته إليه)، فلسان الحال يقول لمن جعل الربَّ تعالى وكيله: في ماذا وكَّلتَ ربَّك؟ أفيما هو له وحده، أو لك وحدك، أو بينكما؟ فالثاني والثالث ممتنعٌ بتفرُّده بالملك وحده، والتَّوكيل في الأوَّل ممتنع، فكيف تُوكِّله فيما ليس لك منه شيءٌ البتَّة؟!

فيقال: هاهنا أمران: توكُّل وتوكيل. فالتوكُّل: محض الاعتماد والثِّقة والسُّكون إلى من له الأمر كلُّه. وعلمُ العبد بتفرُّد الحقِّ سبحانه بملك الأشياء كلِّها، وأنَّه ليس له مشاركٌ في ذرَّةٍ من ذرَّات الكون= من أقوى أسباب

  1. (١) ل، ش: «وتحقيقه»، وهو مقتضى رسمه في الأصل وإن كان مهملًا غيرَ منقوط.
  2. (٢) ع: «التي بها يعرف».
  3. (٣) كذا ضبطه في الأصل، ل. وفي سائر النسخ: «المنفرد».
419

توكُّله وأعظمِ دواعيه. فإذا تحقَّق ذلك علمًا ومعرفةً، وباشر قلبَه حالًا، لم يجد بدًّا من اعتماد قلبه على الحقِّ وحدَه، وثقته به، وسكونه إليه وحده، وطمأنينته به وحده؛ لعلمه أنَّ حاجاتِه وفاقاتِه وضروراتِه وجميعَ مصالحه بيده وحده، لا بيد غيره. فأين يجد قلبُه مناصًا من التوكُّل بعد هذا؟

فعلَّة التوكُّل حينئدٍ: التفاتُ قلبه إلى من ليس له شِرْكةٌ في ملك الحقِّ، ولا يملك مثقالَ ذرَّةٍ في السّماوات ولا في الأرض. هذه علَّة توكُّله، فهو يعمل على خلاص١ توكُّله من هذه العلَّة.

نعم، ومن علَّةٍ أخرى، وهي رؤية توكُّله، فإنَّه التفاتٌ إلى عوالم نفسه. وعلَّةٍ ثالثةٍ: وهي صرفه قوَّةَ توكُّله إلى شيءٍ غيرُه أحبُّ إلى الله منه. فهذه العلل الثَّلاث هي علل التوكل.

وأمَّا التوكيل٢: فليس المراد منه إلا مجرَّد التفويض، وهو من أخصِّ مقامات العارفين٣، كما كان النبيُّ ﷺ يقول: «اللهمَّ إنِّي أسلمتُ نفسي إليك، وفوَّضتُ أمري إليك»٤. وقال تعالى عن مؤمن آل فرعون: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ فكان جزاء هذا التّفويض قوله: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ [غافر:٤٤ - ٤٥].

  1. (١) ع: «تخليص».
  2. (٢) في جميع النسخ والمطبوعات: «التوكل»، خطأ. وقد سبق قول المؤلف: «هاهنا أمران: توكُّل وتوكيل»، وقد انتهى من كلامه على التوكل.
  3. (٣) وهي المنزلة الآتية من منازل السائرين.
  4. (٤) أخرجه البخاري (٦٣١١) ومسلم (٢٧١٠) من حديث البراء في الدعاء عند النوم.
420

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي