مدارج السالكين

فصل

ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة التفويض.

قال صاحب «المنازل»١: (وهو ألطف إشارةً وأوسع معنًى من التوكُّل، فإنَّ التوكُّل بعد وقوع السبب، والتفويض قبل وقوعه وبعده. وهو عين الاستسلام، والتوكُّل شعبةٌ منه).

يعني أنَّ المفوِّض يتبرَّأ من الحول والقوَّة، ويفوِّض الأمر إلى صاحبه، من غير أن يقيمه مقام نفسه في مصالحه، بخلاف التوكُّل٢، فإنَّ الوكالة تقتضي أن يقوم الوكيل مقام الموكِّل. فالتفويض: براءةٌ وخروجٌ من الحول والقوَّة، وتسليمُ الأمر كلِّه إلى مالكه٣.

فيقال: وكذلك التوكُّل أيضًا، وما قدحتم به في التوكُّل يَرِد عليكم نظيرُه في التفويض سواء، فإنَّك كيف تفوِّض شيئًا لا تملكه البتَّة إلى مالكه؟ وهل يصحُّ أن يفوِّض واحدٌ من آحاد الرعيَّة المُلكَ إلى مَلِك زمانه؟

فالعلَّة إذن في التفويض أعظم منها في التوكُّل. بل لو قال القائل: التوكُّل فوق التفويض وأجلُّ منه وأرفع، لكان مصيبًا. ولهذا، القرآنُ مملوء به أمرًا وإخبارًا عن خاصَّة الله وأوليائه وصفوته٤ المؤمنين بأنَّه حالهم٥.

  1. (١) (ص ٣٤).
  2. (٢) ش: «المتوكل».
  3. (٣) ملخَّص من كلام التلمساني في «شرحه» (ص ٢٠٣).
  4. (٤) ع: «صفوة».
  5. (٥) ع: «بأن حالهم التوكل».
422

وأمر الله به رسولَه في أربعة مواضع من كتابه١، وسمَّاه المتوكِّل٢ كما في «صحيح البخاري»٣ عن عبد الله بن عمرو قال: قرأت في التوراة٤ صفة النبيِّ ﷺ: «محمَّدٌ رسول الله، سمَّيته المتوكِّل، ليس بفظٍّ ولا غليظٍ، ولا صخَّابٍ٥ في الأسواق٦».

وأخبر عن رسله بأنَّ حالهم كان التوكُّل، وبه انتصروا على قومهم٧.

وأخبر النبيُّ ﷺ عن السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنَّة بغير حسابٍ أنَّهم أهل مقام التوكُّل٨.

ولم يجئ التفويض في القرآن إلَّا فيما حكاه عن مؤمن آل فرعون من قوله: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر: ٤٤].

وقد أمر الله رسوله ﷺ بأن يتَّخذه وكيلًا، فقال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ

  1. (١) وهي التي ذكرها المؤلف (ص ٣٨١)، وفي القرآن غيرها كما سبق التنبيه عليه (ص ٤٠٨ - ٤٠٩/الهامش).
  2. (٢) في النسخ عدا ش، ع زيادة: «في أربعة»، ولم أتبيَّن وجهها، والكلام مستقيم بدونها.
  3. (٣) برقم (٢١٢٥، ٤٨٣٨).
  4. (٤) انظر: سفر إشَعْياء، الإصحاح (٤٢).
  5. (٥) لفظ البخاري: «سخَّاب» بالسين، وهما لغتان.
  6. (٦) ع: «بالأسواق»، روايتان.
  7. (٧) كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ١٢ - ١٣].
  8. (٨) كما عند البخاري (٦٤٧٢) ومسلم (٢٢٠) من حديث ابن عباس.
423

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي