مدارج السالكين

وأمر الله به رسولَه في أربعة مواضع من كتابه١، وسمَّاه المتوكِّل٢ كما في «صحيح البخاري»٣ عن عبد الله بن عمرو قال: قرأت في التوراة٤ صفة النبيِّ ﷺ: «محمَّدٌ رسول الله، سمَّيته المتوكِّل، ليس بفظٍّ ولا غليظٍ، ولا صخَّابٍ٥ في الأسواق٦».

وأخبر عن رسله بأنَّ حالهم كان التوكُّل، وبه انتصروا على قومهم٧.

وأخبر النبيُّ ﷺ عن السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنَّة بغير حسابٍ أنَّهم أهل مقام التوكُّل٨.

ولم يجئ التفويض في القرآن إلَّا فيما حكاه عن مؤمن آل فرعون من قوله: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر: ٤٤].

وقد أمر الله رسوله ﷺ بأن يتَّخذه وكيلًا، فقال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ

  1. (١) وهي التي ذكرها المؤلف (ص ٣٨١)، وفي القرآن غيرها كما سبق التنبيه عليه (ص ٤٠٨ - ٤٠٩/الهامش).
  2. (٢) في النسخ عدا ش، ع زيادة: «في أربعة»، ولم أتبيَّن وجهها، والكلام مستقيم بدونها.
  3. (٣) برقم (٢١٢٥، ٤٨٣٨).
  4. (٤) انظر: سفر إشَعْياء، الإصحاح (٤٢).
  5. (٥) لفظ البخاري: «سخَّاب» بالسين، وهما لغتان.
  6. (٦) ع: «بالأسواق»، روايتان.
  7. (٧) كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ١٢ - ١٣].
  8. (٨) كما عند البخاري (٦٤٧٢) ومسلم (٢٢٠) من حديث ابن عباس.
423

إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩]. وهذا يُبطل قول من قال من جهلة القوم١: إنَّ توكيل الربِّ فيه جسارةٌ على الباري، لأنَّ التوكيل يقتضي إقامة الوكيل مقام الموكِّل، وذلك عين الجسارة. قال: ولولا أنّ الله أباح ذلك وندب إليه لما جاز للعبد تعاطيه.

وهذا من أعظم الجهل، فإنَّ اتِّخاذه وكيلًا هو محض العبوديَّة وخالص التوحيد إذا قام به صاحبه حقيقةً.

ولله درُّ سيِّد القوم وشيخ الطائفة سهل بن عبد الله إذ يقول: العلم كلُّه بابٌ من التعبُّد، والتعبُّد كلُّه باب من الورع، والورعُ كلُّه باب من الزهد، والزهد كلُّه باب من التوكُّل٢.

فالذي نذهب إليه: أنَّ التوكُّل أوسع من التفويض وأعلى وأرفع.

قوله: (فإنَّ التوكُّل بعد وقوع السبب، والتفويض قبل وقوعه وبعده).

يعني بالسبب: الاكتساب، فالمفوِّض قد فوَّض أمره إلى الله قبل اكتسابه وبعد اكتسابه٣، والمتوكِّل قد قام بالسبب وتوكَّل فيه على الله، فصار التفويض أوسع.

فيقال: والتوكُّل قد يكون قبل السبب ومعه وبعده، فيتوكَّل على الله أن يقيمه في سببٍ يوصله إلى مطلوبه، فإذا قام به توكَّلَ على الله حال مباشرته، فإذا أتمَّه توكَّل على الله في حصول ثمرته؛ فيتوكَّل على الله قبله ومعه وبعده.

  1. (١) يعني به التلمساني في «شرحه» (ص ٢٠٣).
  2. (٢) ذكره أبو طالب في «قوت القلوب» (٢/ ٣).
  3. (٣) ع: «وبعده».
424

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي