مدارج السالكين

فعلى هذا هو أوسع من التفويض على ما ذكر.

قوله: (وهو عين الاستسلام)، أي التفويض عين الانقياد بالكليَّة إلى الحقِّ سبحانه، ولا يبالي أكان ما يقضي له الخير أم خلافه؟ والمتوكِّل يتوكَّل على الله في مصالحه١.

وهذا القدر هو الذي لحظه القوم في هضم مقام التوكُّل ورفع مقام التفويض عليه، وجوابه من وجهين.

أحدهما: أنّ المفوِّض لا يفوِّض أمره إلى الله إلَّا لإرادته أن يقضي له ما هو خيرٌ له في معاشه ومعاده. وإن كان المقضيُّ له خلاف ما يظنُّه خيرًا فهو راضٍ به، لأنَّه يعلم أنَّه خير له وإن خفيت عليه جهة المصلحة فيه. وهكذا حال المتوكِّل سواء، بل أرفع من المفوِّض، لأنَّ معه من عمل القلب ما ليس مع المفوِّض، فالمتوكِّل مفوِّض وزيادة، فلا يستقيم مقام التوكُّل إلَّا بالتفويض، فإنَّه إذا فوَّض أمره إليه اعتمد بقلبه كلِّه عليه بعد تفويضه.

ونظير هذا: أنَّ من فوَّض أمره إلى رجلٍ وجعله إليه، فإنَّه يجد مِن نفسه بعد تفويضه اعتمادًا خاصًّا وسكونًا وطمأنينةً إلى المفوِّض إليه أكثر ممَّا كان قبل التفويض، وهذا هو حقيقة التّوكُّل.

الوجه الثاني: أنَّ أهمَّ مصالح المتوكِّل حصولُ مراضي محبوبه ومحابِّه، فهو يتوكَّل عليه في تحصيلها له، فأيُّ مصلحةٍ أعظم من هذا؟

وأمَّا التفويض فهو تفويض حاجات العبد المعيشيَّة وأسبابها إلى الله، فإنَّه لا يفوِّض إليه محابَّه، والمتوكِّل يتوكَّل عليه في محابِّه.

  1. (١) باختصار من «شرح التلمساني» (ص ٢٠٤).
425

والوهم إنَّما دخل حيث يظنُّ الظانُّ أنَّ التوكُّل مقصور على معلوم الرِّزق، وقوت البدن، وصحَّة الجسم. ولا ريب أنَّ هذا التوكُّل ناقصٌ بالنِّسبة إلى التوكُّل في إقامة الدِّين والدعوة إلى الله.

قال١: (وهو على ثلاث درجاتٍ. الأولى: أن يعلم أنَّ العبد لا يملك قبل عمله استطاعةً، فلا يأمن من مكر، ولا ييأس من معونة، ولا يعوِّل على نيَّة).

أي: يتحقَّق أنَّ استطاعته بيد الله لا بيده، فهو مالكها دونه، فإن لم٢ يعطه الاستطاعة فهو عاجز، فهو لا يتحرَّك إلَّا بالله لا بنفسه، فكيف يأمن المكر؟! وهو: أن لا يحرِّكَه مَن حركتُه بيده، بل يُثبِّطه ويُقعده مع القاعدين٣، كما قال فيمن منعه مِن هذا التوفيق: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: ٤٦].

فهذا مكر الله بالعبد: أن يقطع عنه موادَّ توفيقه، ويخلِّي بينه وبين نفسه، ولا يبعث دواعيه ولا يحرِّكه إلى مرضاته ومحابِّه. وليس هذا حقًّا علاه يكون ظالمًا بمنعه، بل هو مجرَّد فضله الذي يُحمَد على بذله لمن بذله له، وعلى منعه لمن منعه٤ إيَّاه، فله الحمد على هذا وهذا.

  1. (١) «المنازل» (ص ٣٥).
  2. (٢) ع: «فإنه إن لم».
  3. (٣) السياق في ع: «فكيف يأمن المكر وهو محرَّك لا محرِّك، يحرّكه مَن حركتُه بيده، وإن شاء ثبَّطه وأقعده مع القاعدين».
  4. (٤) «لمن منعه» ساقط من ل.
426

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي