مدارج السالكين

والوهم إنَّما دخل حيث يظنُّ الظانُّ أنَّ التوكُّل مقصور على معلوم الرِّزق، وقوت البدن، وصحَّة الجسم. ولا ريب أنَّ هذا التوكُّل ناقصٌ بالنِّسبة إلى التوكُّل في إقامة الدِّين والدعوة إلى الله.

قال١: (وهو على ثلاث درجاتٍ. الأولى: أن يعلم أنَّ العبد لا يملك قبل عمله استطاعةً، فلا يأمن من مكر، ولا ييأس من معونة، ولا يعوِّل على نيَّة).

أي: يتحقَّق أنَّ استطاعته بيد الله لا بيده، فهو مالكها دونه، فإن لم٢ يعطه الاستطاعة فهو عاجز، فهو لا يتحرَّك إلَّا بالله لا بنفسه، فكيف يأمن المكر؟! وهو: أن لا يحرِّكَه مَن حركتُه بيده، بل يُثبِّطه ويُقعده مع القاعدين٣، كما قال فيمن منعه مِن هذا التوفيق: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: ٤٦].

فهذا مكر الله بالعبد: أن يقطع عنه موادَّ توفيقه، ويخلِّي بينه وبين نفسه، ولا يبعث دواعيه ولا يحرِّكه إلى مرضاته ومحابِّه. وليس هذا حقًّا علاه يكون ظالمًا بمنعه، بل هو مجرَّد فضله الذي يُحمَد على بذله لمن بذله له، وعلى منعه لمن منعه٤ إيَّاه، فله الحمد على هذا وهذا.

  1. (١) «المنازل» (ص ٣٥).
  2. (٢) ع: «فإنه إن لم».
  3. (٣) السياق في ع: «فكيف يأمن المكر وهو محرَّك لا محرِّك، يحرّكه مَن حركتُه بيده، وإن شاء ثبَّطه وأقعده مع القاعدين».
  4. (٤) «لمن منعه» ساقط من ل.
426

ومن فهم هذا فهم بابًا عظيمًا من سرِّ القدر، وانحلَّت له إشكالات كثيرة، فهو سبحانه لا يريد من نفسه فعلًا يفعله بعبده يقع منه ما يحبُّه ويرضاه، فيمنعه فعلَ نفسه به ــ وهو توفيقه ــ، لا أنَّه يُكرهه ويقهره على فعل مساخطه، بل يكله إلى نفسه وحوله وقوَّتِه ويتخلَّى عنه، فهذا هو المكر.

قوله: (ولا ييأس من معونة)، يعني إذا كان المحرِّك له هو الربُّ ﷻ، وهو أقدر القادرين، وهو الذي تفرَّد بخلقه ورزقه، وهو أرحم الراحمين= فكيف ييأس من معونته له؟

وقوله: (ولا يعوِّل على نية)، أي لا يعتمد على نيَّته وعزمه ويثق بها، فإنَّ نيّته وعزمه بيد الله تعالى لا بيده، وهي إلى الله لا إليه، فلتكن ثقته بمن هي في يده حقًّا، لا بمن هي جاريةٌ عليه حكمًا.

فصل

قال١: (الدرجة الثانية: معاينة الاضطرار، فلا يرى عملًا منجيًا، ولا ذنبًا مهلكًا، ولا سببًا حاملًا).

أي: يعاين فقره وفاقته وضرورته التامَّة إلى الله، بحيث٢ يرى في كلِّ ذرَّةٍ من ذرَّاته الباطنة والظاهرة ضرورةً وفاقةً تامَّةً إلى الله، فنجاته إنَّما هي بالله لا بعمله.

وأمَّا قوله: (ولا ذنبًا مهلكًا)، فإن أراد به أنَّ هلاكه بالله لا بسبب ذنوبه فباطلٌ معاذَ الله من ذلك. وإن أراد به أنَّ فضل الله وسعةَ مغفرته ورحمته،

  1. (١) «المنازل» (ص ٣٥).
  2. (٢) في ع زيادة: «إنه».
427

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي