مدارج السالكين

المحيط مقابلٌ لها، كذلك الثقة هي النقطة التي يدور عليها التفويض.

وكذلك قوله: (سويداء قلب التسليم)، فإنَّ القلب أشرف ما فيه سويداؤه، وهي المُهجة التي تكون بها الحياة، وهي في وسطه. فلو كان التّفويض١ قلبًا لكانت الثِّقة سويداءه، ولو كان عينًا لكانت سوادَها، ولو كان دائرةً لكانت نقطتها.

وقد تقدَّم أنَّ كثيرًا من الناس يفسِّر التوكُّل بالثقة ويجعله حقيقتَها، ومنهم من يفسِّره بالتفويض، ومنهم من يفسِّره بالتسليم، فعلمتَ أنَّ مقام التوكُّل يجمع ذلك كلَّه.

وكأنَّ الثقة عند الشّيخ هي روح التوكل، والتوكُّل كالبدن الحامل لها، ونسبتها إلى التوكُّل كنسبة الإحسان إلى الإيمان.

فصل

قال٢: (وهي على ثلاث درجاتٍ. الدرجة الأولى: درجة الإياس. وهي البُعد عن مقاومات الأحكام٣، ليقعد عن منازعة الأقسام، ليتخلَّص من قِحة الإقدام).

يعني أنَّ الواثق بالله لاعتقاده أنَّ الله إذا حكم بحكمٍ وقضى أمرًا فلا مردَّ

  1. (١) كذا في النسخ، ومقتضى لفظ الماتن: «التسليم».
  2. (٢) «المنازل» (ص ٣٦)
  3. (٣) ج، ن: «وهي إياس العبد من مقاواة الأحكام». وهو لفظ «المنازل» و«شرح التلمساني» (ص ٢٠٨) و«القاساني» (ص ١٨٣). والمعنى متقارب، فالمقاواة هي المغالبة.
431

لقضائه ولا معقِّب لحكمه، فمن حكم الله له بحكمٍ وقَسَم له بنصيبٍ من الرزق أو الطاعة أو الحال أو العلم وغيره١ فلا بدَّ من حصوله له، ومن لم يَقْسِم له ذلك فلا سبيل له إليه البتَّة، كما لا سبيل له إلى الطّيران إلى السماء وحمل الجبال= فبهذا التقدير٢ يَقعُد٣ عن منازعة الأقسام، فما كان له منها فسوف يأتيه على ضعفه، وما لم يكن له منها فلن يناله بقوَّته.

والفرق بين مقاومة الأحكام ومنازعة الأقسام: أنَّ مقاومة الأحكام أن تتعلَّق إرادته بغير ما في حكم الله وقضائه، فإذا تعلَّقت إرادتُه بذلك جاذب الخلقَ الأقسامَ ونازعهم فيها.

وقوله: (ليتخلَّص من قحة الإقدام)، أي يتخلَّص بالثقة بالله مِن هذه القِحة والجرأة على إقدامه على ما لم يُحكَم له به ولا قُسِم له.

فصل

قال٤: (الدرجة الثانية: درجة الأمن، وهو أمن العبد من فوت المقدور وانتقاص المسطور، فيظفر برَوح الرِّضا، وإلَّا فبعين٥ اليقين، وإلَّا فبلطف الصبر).

  1. (١) ج، ن: «أو غيره».
  2. (٢) ع: «القدر».
  3. (٣) هذا يفسر خبر «أن» التي في مطلع الفقرة. أي: أن الواثق بالله لاعتقاده كلَّ ذلك يقعد عن منازعة الأقسام.
  4. (٤) «المنازل» (ص ٣٦).
  5. (٥) في مطبوعة «المنازل»: «فبغنى»، والمثبت من النسخ موافق لـ «شرح التلمساني» (ص ٢٠٩) و«شرح القاساني» (ص ١٨٤).
432

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي