مدارج السالكين

لقضائه ولا معقِّب لحكمه، فمن حكم الله له بحكمٍ وقَسَم له بنصيبٍ من الرزق أو الطاعة أو الحال أو العلم وغيره١ فلا بدَّ من حصوله له، ومن لم يَقْسِم له ذلك فلا سبيل له إليه البتَّة، كما لا سبيل له إلى الطّيران إلى السماء وحمل الجبال= فبهذا التقدير٢ يَقعُد٣ عن منازعة الأقسام، فما كان له منها فسوف يأتيه على ضعفه، وما لم يكن له منها فلن يناله بقوَّته.

والفرق بين مقاومة الأحكام ومنازعة الأقسام: أنَّ مقاومة الأحكام أن تتعلَّق إرادته بغير ما في حكم الله وقضائه، فإذا تعلَّقت إرادتُه بذلك جاذب الخلقَ الأقسامَ ونازعهم فيها.

وقوله: (ليتخلَّص من قحة الإقدام)، أي يتخلَّص بالثقة بالله مِن هذه القِحة والجرأة على إقدامه على ما لم يُحكَم له به ولا قُسِم له.

فصل

قال٤: (الدرجة الثانية: درجة الأمن، وهو أمن العبد من فوت المقدور وانتقاص المسطور، فيظفر برَوح الرِّضا، وإلَّا فبعين٥ اليقين، وإلَّا فبلطف الصبر).

  1. (١) ج، ن: «أو غيره».
  2. (٢) ع: «القدر».
  3. (٣) هذا يفسر خبر «أن» التي في مطلع الفقرة. أي: أن الواثق بالله لاعتقاده كلَّ ذلك يقعد عن منازعة الأقسام.
  4. (٤) «المنازل» (ص ٣٦).
  5. (٥) في مطبوعة «المنازل»: «فبغنى»، والمثبت من النسخ موافق لـ «شرح التلمساني» (ص ٢٠٩) و«شرح القاساني» (ص ١٨٤).
432

يقول: من حصل له الإياس المذكور حصل له الأمن، وذلك أنَّه مَن تحقَّق بمعرفة أنَّ ما قضاه الله فلا مردَّ له البتَّة= أَمِن من فوت نصيبه الذي قسم الله له، ويأمن أيضًا من نقصان ما كتبه الله له وسَطَره في الكتاب المسطور.

(فيظفر بروح الرِّضا)، أي براحته ولذَّته ونعيمه، لأنَّ صاحب الرِّضا في راحة ولذَّة وسرور، كما في حديث عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ: «إنَّ الله بعدله وقسطه جعل الرَّوح والفرح١ في اليقين والرِّضا، وجعل الهمَّ والحزن في الشكِّ والسخط»٢.

فإن لم يقدر على رَوح الرِّضا ظفر بعين اليقين، وهو قوَّة الإيمان ومباشرته للقلب، بحيث لا يبقى بينه وبين العيان إلَّا كشف الحجاب المانع من مكافحة البصر.

  1. (١) ل، ج: «الفرج».
  2. (٢) أخرجه الطبراني في «الكبير» (١٠/ ٢٦٦) وأبو نعيم في «الحلية» (٤/ ١٢١) والقشيري في «رسالته» (ص ٤٣١) بإسناد واهٍ، فيه خالد بن يزيد العُمَري، متَّهم بالكذب. وروي من طريق آخر عند البيهقي في «شعب الإيمان» (٢٠٤)، وإسناده حسن لولا الإرسال، فإنه من رواية خيثمة بن عبد الرحمن عن ابن مسعود، وهو لم يسمع منه شيئًا كما في «المراسيل» (ص ٥٤) عن أحمد وأبي حاتم.
    ولعل الأشبه وقفه على ابن مسعود من قوله، كما عند هنَّاد في «الزهد» (٥٣٥) وابن أبي الدنيا في «القناعة» (١٦٦) وفي «الرضا عن الله بقضائه» (٩٤) ــ ومن طريقه البيهقي في «الشعب» (٢٠٥) ــ من طريق سفيان بن عيينة عن أبي هارون المدني عن ابن مسعود. رجاله رجال الصحيح إلا أنه أيضًا مرسل، أبو هارون لم يدرك ابن مسعود. وروي موقوفًا من طريق آخر أيضًا عند ابن الأعرابي في «معجمه» (١٤٩١) بإسناد ضعيف.
433

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي