مدارج السالكين

يقول: من حصل له الإياس المذكور حصل له الأمن، وذلك أنَّه مَن تحقَّق بمعرفة أنَّ ما قضاه الله فلا مردَّ له البتَّة= أَمِن من فوت نصيبه الذي قسم الله له، ويأمن أيضًا من نقصان ما كتبه الله له وسَطَره في الكتاب المسطور.

(فيظفر بروح الرِّضا)، أي براحته ولذَّته ونعيمه، لأنَّ صاحب الرِّضا في راحة ولذَّة وسرور، كما في حديث عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ: «إنَّ الله بعدله وقسطه جعل الرَّوح والفرح١ في اليقين والرِّضا، وجعل الهمَّ والحزن في الشكِّ والسخط»٢.

فإن لم يقدر على رَوح الرِّضا ظفر بعين اليقين، وهو قوَّة الإيمان ومباشرته للقلب، بحيث لا يبقى بينه وبين العيان إلَّا كشف الحجاب المانع من مكافحة البصر.

  1. (١) ل، ج: «الفرج».
  2. (٢) أخرجه الطبراني في «الكبير» (١٠/ ٢٦٦) وأبو نعيم في «الحلية» (٤/ ١٢١) والقشيري في «رسالته» (ص ٤٣١) بإسناد واهٍ، فيه خالد بن يزيد العُمَري، متَّهم بالكذب. وروي من طريق آخر عند البيهقي في «شعب الإيمان» (٢٠٤)، وإسناده حسن لولا الإرسال، فإنه من رواية خيثمة بن عبد الرحمن عن ابن مسعود، وهو لم يسمع منه شيئًا كما في «المراسيل» (ص ٥٤) عن أحمد وأبي حاتم.
    ولعل الأشبه وقفه على ابن مسعود من قوله، كما عند هنَّاد في «الزهد» (٥٣٥) وابن أبي الدنيا في «القناعة» (١٦٦) وفي «الرضا عن الله بقضائه» (٩٤) ــ ومن طريقه البيهقي في «الشعب» (٢٠٥) ــ من طريق سفيان بن عيينة عن أبي هارون المدني عن ابن مسعود. رجاله رجال الصحيح إلا أنه أيضًا مرسل، أبو هارون لم يدرك ابن مسعود. وروي موقوفًا من طريق آخر أيضًا عند ابن الأعرابي في «معجمه» (١٤٩١) بإسناد ضعيف.
433

فإن لم يحصل له هذا المقام حصل على لطف الصبر وما فيه من حسن العاقبة، كما في الأثر المعروف: «إن استطعت أن تعمل لله بالرِّضا مع اليقين فافعل، فإن لم تستطع فإنَّ في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا»١.

فصل

قال٢: (الدرجة الثالثة: معاينة أزليَّة الحقِّ، ليتخلَّص من محن المقصود٣، وتكاليف الحمايات، والتعريج على مدارج الوسائل).

قوله: (معاينة أزلية الحق)، أي متى شهد قلبه تفرُّد الربِّ سبحانه بالأزليَّة غاب بها عن الطلب، لتيقُّنه فراغَ الربِّ تعالى من المقادير، وسَبْقِ الأزل بها، وثبوتِ حكمها هناك؛ فيَخلُص٤ من المحن التي تعرض له دون المقصود. ويتخلَّص أيضًا من تعريجه والتفاته وحبس مطيَّته على طرق الأسباب التي يتوصل٥ بها إلى المطالب.

وهذا ليس على إطلاقه، فإنَّ مدارج الوسائل قسمان: وسائل موصلةٌ إلى عين الرِّضا، فالتعريج على مدارجها معرفةً وعملًا وحالًا وإيثارًا هو محض العبوديَّة. ولكن لا يجعل تعريجه كلَّه على مدارجها، بحيث ينسى بها

  1. (١) روي مرفوعًا من حديث ابن عبَّاس، وهو ضعيف كما تقدم في تخريجه (١/ ١٦٨).
  2. (٢) «المنازل» (ص ٣٦).
  3. (٣) ل، ج، ن: «القُصود»، وهو لفظ مطبوعة «المنازل» و«شرح القاساني» (ص ١٨٥). والمثبت من الأصل وغيره يوافق ما في «شرح التلمساني» (ص ٢١٠).
  4. (٤) ج، ن: «فيتخلَّص».
  5. (٥) ع: «يتوسل».
434

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي