مدارج السالكين

وصاحب هذا التخلُّص هو صاحب القلب السليم الذي لا ينجو إلَّا من أتى الله به، فإنَّ التسليم ضدُّ المنازعة.

والمنازعة إمَّا بشبهةٍ فاسدةٍ تعارض الإيمان بالخبر عمَّا وصف الله تعالى به نفسه من صفاته وأفعاله، أو ما أخبر به من اليوم الآخر، وغير ذلك. فالتسليم له ترك منازعته بشبهات المتكلِّمين الباطلة.

وإمَّا بشهوةٍ تعارض أمر الله. فالتسليم للأمر بالتخلُّص منها.

أو إرادةٍ تعارض مراد الله من عبده، فتعارضه إرادةٌ تتعلَّق بمراد العبد من الربِّ. فالتسليم بالتخلُّص منها.

أو اعتراضٍ يعارض حكمته في خلقه وأمره، بأن يظنَّ أنّ مقتضى الحكمة خلاف ما شرع، وخلاف ما قضى وقدَّر.

فالتسليم: التخلُّص من هذه المنازعات كلِّها.

وبهذا يتبيَّن أنَّه من أجلِّ مقامات الإيمان وأعلى طرق الخاصَّة، وأنَّ التسليم هو محض الصدِّيقيَّة التي هي بعد درجة النبوَّة، وأنَّ أكمل الناس تسليمًا أكملُهم صدِّيقيَّةً.

فلنرجع إلى شرح كلام الشيخ.

أمَّا قوله: (تسليم ما يزاحم العقول ممَّا سبق١ على الأوهام)، يعني: أنَّ التسليم يقتضي٢ ما ينهى عنه العقل ويزاحمه، فإنَّه يقتضي التجريد عن

  1. (١) ل: «يسبق».
  2. (٢) ش: «نقيض».
438

الأسباب، والعقلُ يأمر بها. فصاحب التسليم يسلِّم إلى الله ﷿ ما هو غيبٌ عن العبد، فإنَّ فعله سبحانه لا يتوقَّف على هذه الأسباب التي ينهى العقل عن التجرُّد عنها.

فإذا سلَّم لله لم يلتفت إلى السبب في كلِّ ما غاب عنه. فالأوهام يسبق عليها أنَّ ما غاب عنها من الحكم لا يحصل إلَّا بالأسباب، والتسليم يقتضي التجرُّد عنها، والعقل ينهى عن ذلك، والوهم قد سبق١ عليه أنَّ الغيب موقوفٌ عليها.

فهاهنا أمورٌ ستَّة: عقل، ومزاحِمٌ له، ووهم، وسابقٌ إليه، وغيب، وتسليم لهذا المزاحم.

فالعقل هو الباعث له على الأسباب، الداعي له إليها، التي إذا خرج الرجل عنها عُدَّ قدحًا في عقله.

والمزاحم له: التجرُّد عنها بكمال التسليم إلى من بيده أزمَّة الأمورِ مواردِها ومصادرِها٢.

والوهم: اعتقاده توقُّف حصول السَّعادة والنَّجاة وحصول المقدور كائنًا ما كان عليها، وأنَّه لولاها لما حصل المقدور. وهذا هو السابق إلى الوهم.

والمغيب: الحكم الذي غاب عنه، وهو فعل الله.

والتسليم: تسليم هذا المزاحم إلى نفس الحكم٣.

  1. (١) ل: «يسبق».
  2. (٢) ع: «ومواردُها ومصادرُها».
  3. (٣) ما سبق بسط لكلام التلمساني في «شرحه» (ص ٢١٢)، وسيتعقَّبه المؤلف.
439

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي