مدارج السالكين

الأسباب، والعقلُ يأمر بها. فصاحب التسليم يسلِّم إلى الله ﷿ ما هو غيبٌ عن العبد، فإنَّ فعله سبحانه لا يتوقَّف على هذه الأسباب التي ينهى العقل عن التجرُّد عنها.

فإذا سلَّم لله لم يلتفت إلى السبب في كلِّ ما غاب عنه. فالأوهام يسبق عليها أنَّ ما غاب عنها من الحكم لا يحصل إلَّا بالأسباب، والتسليم يقتضي التجرُّد عنها، والعقل ينهى عن ذلك، والوهم قد سبق١ عليه أنَّ الغيب موقوفٌ عليها.

فهاهنا أمورٌ ستَّة: عقل، ومزاحِمٌ له، ووهم، وسابقٌ إليه، وغيب، وتسليم لهذا المزاحم.

فالعقل هو الباعث له على الأسباب، الداعي له إليها، التي إذا خرج الرجل عنها عُدَّ قدحًا في عقله.

والمزاحم له: التجرُّد عنها بكمال التسليم إلى من بيده أزمَّة الأمورِ مواردِها ومصادرِها٢.

والوهم: اعتقاده توقُّف حصول السَّعادة والنَّجاة وحصول المقدور كائنًا ما كان عليها، وأنَّه لولاها لما حصل المقدور. وهذا هو السابق إلى الوهم.

والمغيب: الحكم الذي غاب عنه، وهو فعل الله.

والتسليم: تسليم هذا المزاحم إلى نفس الحكم٣.

  1. (١) ل: «يسبق».
  2. (٢) ع: «ومواردُها ومصادرُها».
  3. (٣) ما سبق بسط لكلام التلمساني في «شرحه» (ص ٢١٢)، وسيتعقَّبه المؤلف.
439

مع أنَّ في تنزيل عبارته على هذا، وإفراغِ هذا المعنى في قوالب ألفاظه نظر١.

وفيه وجهٌ آخر٢، وهو أن يكون المراد: التسليم لما يبدو للعبد من معاني الغيب ممَّا يزاحم معقوله في بادي الرَّأي ويسبق إلى وهمه أنَّ الأمر بخلافه، فيسبق على الأوهام من الغيب الذي أُخبِرت به شيءٌ يزاحم معقولها، فتقع المنازعة بين حكم العقل وحكم الوهم؛ فإنَّ كثيرًا من الغيب قد يزاحم العقل بعض المزاحمة، ويسبق إلى الوهم خلافُه. فالتسليم: تسليم هذا المزاحم إلى وليِّه ومَن أخبر به، والتجرُّد عمَّا يسبق إلى الوهم ممَّا يخالفه.

وهذا أولى المعنيين بكلامه إن شاء الله. فالأوَّل تسليم منازعات الأسباب لتجريد التوحيد العمليِّ القصديِّ الإراديِّ، وهذا تجريد منازعات الأوهام المخالفة للخبر لتجريد التوحيد العلميِّ الخبريِّ الاعتقاديِّ. وهذا حقيقة التسليم.

قوله: (والإذعان لما يغالب القياس مِن سير الدُّول والقِسَم)، أي الانقياد لما يقاوي عقلَه وقياسه ممَّا جرى به حكم الله في الدُّول قديمًا وحديثًا مِن طيِّ دولةٍ ونشر دولةٍ، وإعزاز هذه وإذلال هذه، والقِسَم التي قَسَمها على خلقه مع شدَّة تفاوتها، وتباين مقاديرها وكيفيَّاتها وأجناسها؛ فيذعن لحكمة الله في ذلك، ولا يعترض ما وقع منها بشبهةٍ وقياسٍ.

  1. (١) كذا في النسخ، والوجه النصب.
  2. (٢) وهو أيضًا مما أبداه التلمساني (ص ٢١٢ - ٢١٣)، فهذَّبه المؤلف على طريقته.
440

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي