مع أنَّ في تنزيل عبارته على هذا، وإفراغِ هذا المعنى في قوالب ألفاظه نظر١.
وفيه وجهٌ آخر٢، وهو أن يكون المراد: التسليم لما يبدو للعبد من معاني الغيب ممَّا يزاحم معقوله في بادي الرَّأي ويسبق إلى وهمه أنَّ الأمر بخلافه، فيسبق على الأوهام من الغيب الذي أُخبِرت به شيءٌ يزاحم معقولها، فتقع المنازعة بين حكم العقل وحكم الوهم؛ فإنَّ كثيرًا من الغيب قد يزاحم العقل بعض المزاحمة، ويسبق إلى الوهم خلافُه. فالتسليم: تسليم هذا المزاحم إلى وليِّه ومَن أخبر به، والتجرُّد عمَّا يسبق إلى الوهم ممَّا يخالفه.
وهذا أولى المعنيين بكلامه إن شاء الله. فالأوَّل تسليم منازعات الأسباب لتجريد التوحيد العمليِّ القصديِّ الإراديِّ، وهذا تجريد منازعات الأوهام المخالفة للخبر لتجريد التوحيد العلميِّ الخبريِّ الاعتقاديِّ. وهذا حقيقة التسليم.
قوله: (والإذعان لما يغالب القياس مِن سير الدُّول والقِسَم)، أي الانقياد لما يقاوي عقلَه وقياسه ممَّا جرى به حكم الله في الدُّول قديمًا وحديثًا مِن طيِّ دولةٍ ونشر دولةٍ، وإعزاز هذه وإذلال هذه، والقِسَم التي قَسَمها على خلقه مع شدَّة تفاوتها، وتباين مقاديرها وكيفيَّاتها وأجناسها؛ فيذعن لحكمة الله في ذلك، ولا يعترض ما وقع منها بشبهةٍ وقياسٍ.
(١) كذا في النسخ، والوجه النصب.
(٢) وهو أيضًا مما أبداه التلمساني (ص ٢١٢ - ٢١٣)، فهذَّبه المؤلف على طريقته.
ويحتمل أن يكون مراده بالدُّول والقسم: الأحوال التي تتداول عليه١ ويختلف سيرها، والقِسَم التي نالته من الله ما كان قياس سعيه واجتهاده أن يحصل له أكثرُ منها؛ فيذعن لِما غالب قياسَه منها، ويسلِّم للقسَّام المعطي بحكمته وعدله. فإنَّ مِن عباده من لا يُصلحه إلّا الفقر، ولو أغناه لأفسده ذلك. ومنهم من لا يصلحه إلَّا الغنى، ولو أفقره لأفسده ذلك. ومنهم من لا يُصلحه إلَّا المرض، ولو أصحَّه لأفسده ذلك. ومنهم من لا يصلحه إلَّا الصحَّة، ولو أمرضه لأفسده ذلك.
قوله: (والإجابة لما يفزع المريد من ركوب الأحوال)، يقول: إنَّ صاحب هذه الدرجة مِن قوَّة التسليم يهجم على الأمور المفزعة ولا يلتفت إليها، ولا يخاف منها من ركوب الأحوال واقتحام الأهوال، لأنَّ قوَّة تسليمه تحميه من خطرها، فلا ينبغي أن يخاف، فإنّه في حصن التسليم ومَنَعته وحمايته.
فصل
قال٢: (الدرجة الثانية٣: تسليم العلم إلى الحال، والقصد إلى الكشف، والرَّسم إلى الحقيقة).
أمَّا (تسليم العلم إلى الحال) فليس المراد منه تحكيمَ الحال على العلم، حاشا الشيخ من ذلك، وإنَّما أراد الانتقال من الوقوف عند صور العلم