مدارج السالكين

الظاهرة إلى معانيها وحقائقها الباطنة وثمراتها المقصودة منها، مثل الانتقال من محض التقليد والخبر إلى العيان واليقين، حتَّى كأنَّه يرى ويشاهد ما أخبر به الرسول، كما قال تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٦]، وقال: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الرعد: ١٩].

وينتقل من الحجاب إلى الكشف، فينتقل من العلم إلى اليقين، ومن اليقين إلى عين اليقين، ومن علم الإيمان إلى ذوق طعم الإيمان ووَجْدِ١ حلاوته، فإنَّ هذا قدرٌ زائدٌ على مجرَّد علمه، ومن علم التوكُّل إلى حاله، وأشباه ذلك.

فيسلِّم العلم الصحيح إلى الحال الصحيح، فإنَّ سلطان الحال أقوى من سلطان العلم. فإن كان الحال مخالفًا للعلم فهو مَلِك ظالم، فليخرج عليه بسيف العلم، وليحكِّمه عليه.

وأمَّا (تسليم القصد إلى الكشف)، فليس معناه أن يترك القصد عند معاينة الكشف، فإنَّه متَّى ترك القصد خلع ربقة العبوديَّة من عنقه. ولكن يجعل قصده سائرًا طالبًا لكشفه يؤمُّه، فإذا وصل إليه سلَّمه إليه وصار الحكم للكشف، إذ القصد آلة ووسيلة إليه. فإن كان كشفًا صحيحًا مطابقًا للحقِّ في نفسه كُشِف له عن آفات القصد ومفسداته ومصحِّحاته وعيوبه، فأقبل على تصحيحه بنور الكشف. لا أنَّ صاحب القصد ترك القصد لأجل الكشف، فهذا سير أهل الإلحاد الناكبين عن سبيل الحقِّ والرشاد.

  1. (١) ع: «ووجدان».
442

وأمّا (ترك الرسم إلى الحقيقة)، فيشير به إلى الفناء، فإنَّ من جملة تسليم صاحب الفناء تسليمَ ذاته ليفنى في شهود الحقيقة، فإنَّ ذات العبد هي رسمٌ١ تُفنيه الحقيقة، كما يُفني النُّور الظُّلمة. لأنَّ عند أصحاب الفناء أنَّ الحقَّ سبحانه لا يراه سواه ولا يشاهده غيره، لا بمعنى الاتِّحاد، ولكن بمعنى أنَّه لا يشاهده العبد حتَّى يفنى عن إنِّيَّته٢ ورسمه وجميع عوالمه، فيفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل. هذا كالإجماع٣ من الطائفة، بل هو إجماع منهم.٤ (الدرجة الثالثة: تسليم ما دون الحقِّ إلى الحقِّ، مع السلامة من رؤية التسليم، بمعاينة تسليم الحقِّ إيَّاك إليه).

هذه الدرجة تكملة الدّرجة التي قبلها، فإنَّ التسليم في التي قبلها بدايةٌ لها، وهي واسطةٌ بين الدرجة الأولى والثالثة، فالأولى بداية، والثانية توسطٌ، والثالثة نهاية.

قوله: (تسليم ما دون الحقِّ إلى الحقِّ)، يريد به اضمحلال رسوم الخلق في شهود الحقيقة، وكلُّ ما دون الحقِّ رسومٌ، فإذا سلَّم رسمه الخاصَّ٥ إلى ربِّه حصل له حقيقة الفناء. وهذا التسليم نوعان:

  1. (١) زاد في ع: «والرسم».
  2. (٢) أي: ذاته ووجوده.
  3. (٣) ع: «كإجماع».
  4. (٤) ش: «قال». أي صاحب «المنازل» (ص ٣٧).
  5. (٥) في النسخ عدا ش، ع: «الحاضر»، ولعله تصحيف، وسيأتي المثبت بعد سطرين.
443

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي