والثاني: تسليم رسوم الكائنات، ورؤية تلاشيها واضمحلالها في عين الحقيقة. وهذا علمٌ ومعرفة، والأوَّل حال.
وقوله: (والسلامة من رؤية التسليم)، أي ينسلب أيضًا من رسم رؤية التسليم، فإنَّ الرُّؤية أيضًا رسمٌ من جملة الرُّسوم، فما دام مستصحبًا لها لم يسلِّم التسليم التامَّ، وقد بقيت عليه بقيّةٌ من منازعات رسمه.
ثمَّ عرَّف كيفيَّة هذا التسليم فقال: (بمعاينة تسليم الحقِّ إيّاك إليه)، أي ينكشف لك حين تسلِّم ما دون الحقِّ إلى الحقِّ أنَّ الحقَّ تعالى هو الذي سلَّم إلى نفسه ما دونه، فالحقُّ تعالى هو الذي سلَّمك إليه، فهو المسلِّم وهو المسلَّم إليه، وأنت آلة التسليم. فمن شهد هذا المشهد وجد ذاته مسلَّمةً إلى الحقِّ، وما سلَّمها إلى الحقِّ غيرُ الحقِّ؛ فقد سَلِم العبدُ من دعوى التسليم. والله أعلم.
✽ ✽ ✽
فصل
ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الصبر.
قال الإمام أحمد: ذكر الله الصبر في القرآن في نحوٍ من تسعين موضعًا١.
وهو واجب بإجماع الأمَّة. وهو نصف الإيمان٢، فإنَّ الإيمان نصفان: نصفٌ صبرٌ ونصفٌ شكرٌ.
وهو في القرآن على ستَّة عشر نوعًا.
الأوَّل: الأمر به، نحو قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾[البقرة: ١٥٣]، وقوله: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾[آل عمران: ٢٠٠]، وقوله: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾[النحل: ١٢٧].
(٢) كما قال ابن مسعود فيما أخرجه عنه وكيع في «الزهد» (٢٠٣) ــ ومن طريقه البيهقي في «الشعب» (٤٧) ــ والطبراني في «الكبير» (٩/ ١٠٧) والحاكم (٢/ ٤٤٦) وغيرهم. وروي عن ابن مسعود مرفوعًا ولا يصح.