مدارج السالكين

إلَّا أهلُ الصّبر، كقوله: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ ٨٠﴾ [القصص: ٨٠]، وقولِه: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ٣٤ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٥].

الثالث عشر: الإخبار أنَّه إنَّما ينتفع بالآيات والعبر أهلُ الصبر، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا١ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: ٥]، وقوله في أهل سبإٍ: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾٢ [سبأ: ١٩]، وقولِه في سورة الشُّورى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ ٣٢ إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [الشورى: ٣٢].

الرابع عشر: الإخبار بأنَّ الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب٣ ودخول الجنَّة إنَّما نالوه بالصبر، كقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ ٢٣ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٣].

الخامس عشر: أنَّه يورث صاحبه درجة الإمامة؛ سمعتُ شيخ الإسلام

  1. (١) لم يرد صدر الآية إلى هنا في ع، وسياقه: «كقوله تعالى لموسى: ﴿أَنْ أَخْرِجْ ...﴾. وفي سائر النسخ عدا ش: «ولقد أوحينا إلى موسى»، سهو. ثم أصلح «أوحينا» إلى «أرسلنا» في الأصل، تصحيح ناقص.
  2. (٢) «وقوله في أهل سبإ ...» إلى هنا سقط من ش.
  3. (٣) ع: «المكروه المرهوب».
448

ابن تيميّة ــ قدَّس الله روحه ــ يقول: بالصَّبر واليقين تُنال الإمامة في الدِّين، ثمَّ تلا قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]١.

السادس عشر: اقترانه بمقامات الإسلام والإيمان، كما قرنه سبحانه باليقين وبالإيمان، وبالتقوى والتوكُّل والشُّكر والعمل والمرحمة٢.

ولهذا كان الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا إيمان لمن لا صبر له، كما أنَّه لا جسد لمن لا رأس له. قال عمر بن الخطَّاب: خير عيشٍ أدركناه بالصبر٣.

وأخبر النبيُّ ﷺ في الحديث الصحيح أنَّه ضياء٤. وقال: «من يتصبَّر

  1. (١) ذكر شيخ الإسلام ذلك في مواضع من كتبه، منها: «مجموع الفتاوى» (٣/ ٣٥٨، ٦/ ٢١٥، ١٠/ ٣٩) و«جامع المسائل» (١/ ١٦٨).
  2. (٢) سبقت الآيات التي فيها ذلك إلا آيات قرن الصبر بالتوكل وبالمرحمة، فالأول قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ﴾ [النحل: ٤٢]، والثاني قوله: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد: ١٧].
  3. (٣) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٦٣٠) وكذا وكيع (١٩٨) وأحمد (ص ١٤٦) ــ ومن طريقه أبو نعيم في «الحلية» (١/ ٥٠) ــ من رواية مجاهد عن عمر. قال ابن كثير في «مسند الفاروق» (٣/ ٥٤): «هذا أثر منقطع بين مجاهد وعمر، فإنه لم يُدرك أيامه». وله طريق آخر عند ابن أبي الدنيا في «الصبر» (٦) من رواية ابن مسعود عن عمر، وإسناده ضعيف. قد علَّقه البخاري عن عمر مجزومًا به في كتاب الرقاق (باب الصبر عن محارم الله). وانظر: «تغليق التعليق» (٥/ ١٧٢).
  4. (٤) كما في حديث أبي مالك الأشعري عند مسلم (٢٢٣).
449

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي