مدارج السالكين

ابن تيميّة ــ قدَّس الله روحه ــ يقول: بالصَّبر واليقين تُنال الإمامة في الدِّين، ثمَّ تلا قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]١.

السادس عشر: اقترانه بمقامات الإسلام والإيمان، كما قرنه سبحانه باليقين وبالإيمان، وبالتقوى والتوكُّل والشُّكر والعمل والمرحمة٢.

ولهذا كان الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا إيمان لمن لا صبر له، كما أنَّه لا جسد لمن لا رأس له. قال عمر بن الخطَّاب: خير عيشٍ أدركناه بالصبر٣.

وأخبر النبيُّ ﷺ في الحديث الصحيح أنَّه ضياء٤. وقال: «من يتصبَّر

  1. (١) ذكر شيخ الإسلام ذلك في مواضع من كتبه، منها: «مجموع الفتاوى» (٣/ ٣٥٨، ٦/ ٢١٥، ١٠/ ٣٩) و«جامع المسائل» (١/ ١٦٨).
  2. (٢) سبقت الآيات التي فيها ذلك إلا آيات قرن الصبر بالتوكل وبالمرحمة، فالأول قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ﴾ [النحل: ٤٢]، والثاني قوله: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد: ١٧].
  3. (٣) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٦٣٠) وكذا وكيع (١٩٨) وأحمد (ص ١٤٦) ــ ومن طريقه أبو نعيم في «الحلية» (١/ ٥٠) ــ من رواية مجاهد عن عمر. قال ابن كثير في «مسند الفاروق» (٣/ ٥٤): «هذا أثر منقطع بين مجاهد وعمر، فإنه لم يُدرك أيامه». وله طريق آخر عند ابن أبي الدنيا في «الصبر» (٦) من رواية ابن مسعود عن عمر، وإسناده ضعيف. قد علَّقه البخاري عن عمر مجزومًا به في كتاب الرقاق (باب الصبر عن محارم الله). وانظر: «تغليق التعليق» (٥/ ١٧٢).
  4. (٤) كما في حديث أبي مالك الأشعري عند مسلم (٢٢٣).
449

يصبِّرْه الله»١.

وفي «الصحيح»٢ عنه: «عجبًا لأمر المؤمن، إنَّ أمره كلَّه٣ خير، وليس ذلك لأحدٍ إلَّا للمؤمن؛ إن أصابته سرَّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاء صبر فكان خيرًا له».

وقال للمرأة السَّوداء التي كانت تُصرَع فسألته أن يدعو لها: «إن شئت صبرت ولك الجنّة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك»، فقالت: إنِّي أتكشَّف فادع الله أن لا أتكشَّف، فدعا لها٤.

وأمر الأنصار بأن يصبروا على الأثَرة التي يَلقَونها بعده، حتَّى يلقوه على الحوض٥. وأمر عند ملاقاة العدوِّ بالصبر٦. وأمر بالصبر عند المصيبة وأخبر أنَّه٧ عند الصدمة الأولى٨.

  1. (١) أخرجه البخاري (١٤٦٩) ومسلم (١٠٥٣) من حديث أبي سعيد الخدري.
  2. (٢) «صحيح مسلم» (٢٩٩٩) من حديث صهيب.
  3. (٣) زاد في ع: «له»، وليس في لفظ مسلم.
  4. (٤) أخرجه البخاري (٥٦٥٢) ومسلم (٢٥٧٦) من حديث ابن عباس.
  5. (٥) كما في حديثي أنس وعبد الله بن زيد بن عاصم عند البخاري (٣١٤٧، ٤٣٣٠) ومسلم (١٠٥٩، ١٠٦١).
  6. (٦) كما في حديث عبد الله بن أبي أوفى عند البخاري (٢٩٦٥) ومسلم (١٧٤٢) بلفظ: «أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا». وبنحوه حديث أبي هريرة عندهما (خ ٣٠٢٦، م ١٧٤١).
  7. (٧) زاد في ع: «إنما يكون».
  8. (٨) كما في حديث أنس عند البخاري (١٢٨٣) ومسلم (٩٢٦).
450

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي