مدارج السالكين

يصبِّرْه الله»١.

وفي «الصحيح»٢ عنه: «عجبًا لأمر المؤمن، إنَّ أمره كلَّه٣ خير، وليس ذلك لأحدٍ إلَّا للمؤمن؛ إن أصابته سرَّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاء صبر فكان خيرًا له».

وقال للمرأة السَّوداء التي كانت تُصرَع فسألته أن يدعو لها: «إن شئت صبرت ولك الجنّة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك»، فقالت: إنِّي أتكشَّف فادع الله أن لا أتكشَّف، فدعا لها٤.

وأمر الأنصار بأن يصبروا على الأثَرة التي يَلقَونها بعده، حتَّى يلقوه على الحوض٥. وأمر عند ملاقاة العدوِّ بالصبر٦. وأمر بالصبر عند المصيبة وأخبر أنَّه٧ عند الصدمة الأولى٨.

  1. (١) أخرجه البخاري (١٤٦٩) ومسلم (١٠٥٣) من حديث أبي سعيد الخدري.
  2. (٢) «صحيح مسلم» (٢٩٩٩) من حديث صهيب.
  3. (٣) زاد في ع: «له»، وليس في لفظ مسلم.
  4. (٤) أخرجه البخاري (٥٦٥٢) ومسلم (٢٥٧٦) من حديث ابن عباس.
  5. (٥) كما في حديثي أنس وعبد الله بن زيد بن عاصم عند البخاري (٣١٤٧، ٤٣٣٠) ومسلم (١٠٥٩، ١٠٦١).
  6. (٦) كما في حديث عبد الله بن أبي أوفى عند البخاري (٢٩٦٥) ومسلم (١٧٤٢) بلفظ: «أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا». وبنحوه حديث أبي هريرة عندهما (خ ٣٠٢٦، م ١٧٤١).
  7. (٧) زاد في ع: «إنما يكون».
  8. (٨) كما في حديث أنس عند البخاري (١٢٨٣) ومسلم (٩٢٦).
450

وأمر المصاب بأنفع الأمور له وهو الصبر والاحتساب١، فإنَّ ذلك يخفِّف مصيبته ويوفِّر أجره، والجزع والسخط٢ والتشكِّي يزيد المصيبة ويُذهب الأجر٣.

فصل

الصبر في اللُّغة: الحبس والكفُّ. ومنه: قُتل فلان صبرًا، إذا أُمسك وحبس للقتل. ومنه قوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨]، أي احبس نفسك معهم.

فالصبر: حبس النفس عن الجزع والتسخُّط، وحبس اللِّسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش.

وهو ثلاثة أنواعٍ: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على امتحان الله. فالأوَّلان: صبرٌ على ما يتعلَّق بالكسب، والثالث: صبرٌ على ما لا كسب للعبد فيه.

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيميَّة ــ قدَّس الله روحه ــ يقول: وكان صبر يوسف عن مطاوعة امرأة العزيز عن شأنها أكملَ من صبره على إلقاء إخوته له في الجُبِّ وبيعه وتفريقهم بينه وبين أبيه، فإنَّ هذه أمورٌ جرت عليه بغير

  1. (١) كما في أمره ﷺ ابنته بذلك حين احتُضر ابنها. أخرجه البخاري (١٢٨٤) ومسلم (٩٢٣) من حديث أسامة بن زيد.
  2. (٢) ع: «التسخط».
  3. (٣) زاد في ع: «وأخبر أن الصبر خير كله فقال: ما أُعطي أحدٌ عطاءً خيرًا له وأوسعَ من الصبر». أخرجه البخاري (١٤٦٩) ومسلم (١٠٥٣) من حديث أبي سعيد.
451

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي