مدارج السالكين

اختياره، لا كسب له فيها، ليس للعبد فيها حيلةٌ غير الصبر. وأمَّا صبره عن المعصية، فصبرُ اختيارٍ ورضًا ومحاربةٍ للنفس، ولا سيَّما مع الأسباب التي يقوى معها داعي المواقعة١، فإنَّه كان شابًّا وداعية الشباب إليها قويَّةٌ، وعزبًا ليس له ما يعوِّضه ويبرِّد شهوته، وغريبًا والغريبُ لا يستحيي في بلد غربته ممَّا يستحيي منه بين أصحابه ومعارفه وأهله، ومملوكًا والمملوكُ أيضًا ليس وازعه كوازع الحرِّ؛ والمرأةُ جميلة وذات منصبٍ وهي سيِّدته، وقد غاب الرقيب، وهي الداعية له إلى نفسها والحريصة على ذلك أشدَّ الحرص، ومع ذلك توعَّدته إن لم يفعل بالسِّجن والصَّغار؛ ومع هذه الدواعي كلِّها صبر اختيارًا وإيثارًا لما عند الله. وأين هذا من صبره في الجبِّ على ما ليس من كسبه؟!٢

وكان يقول: الصبر على أداء الطاعات أكملُ من الصبر عن٣ اجتناب المحرَّمات وأفضل، فإنَّ مصلحة فعل الطاعة أحبُّ إلى الشارع من مصلحة ترك المعصية، ومفسدةَ عدم الطاعة أبغض إليه وأكره من مفسدة وجود المعصية. وله في ذلك مصنَّفٌ قرَّره فيه بنحوٍ من عشرين وجهًا٤، ليس هذا

  1. (١) ج، ن، ع: «الموافقة».
  2. (٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (١٥/ ١٣٨ - ١٣٩، ١٧/ ٢٤ - ٢٥) و«جامع المسائل» (٥/ ٢٥٧). وانظر: «عدَّة الصابرين» للمؤلف (ص ٥٩).
  3. (٣) كذا في النسخ، ودخوله على «اجتناب» يقلب المعنى المراد.
  4. (٤) هي مطبوعة ضمن «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٨٥ - ١٥٨) على نقص في آخرها، وفي القدر الموجود اثنان وعشرون وجهًا. وقد ذكر المؤلف عشرين وجهًا في «عُدَّة الصابرين» (ص ٦٦ - ٧٦)، وثلاثة وعشرين في «الفوائد» (ص ١٧١ - ١٨٥)، وتوسَّط في «طريق الهجرتين» (٢/ ٥٩٩) فقال: «وفصل النزاع في ذلك أن هذا يختلف باختلاف الطاعة والمعصية، فالصبر على الطاعة المعظمة الكبيرة أفضل من الصبر عن المعصية الصغيرة الدنية، والصبر عن المعصية الكبيرة أفضل من الصبر على الطاعة الصغيرة».
452

موضع ذكرها. والمقصود: الكلام على الصبر وحقيقته ودرجاته ومرتبته.

فصل

وهو ثلاثة أنواعٍ: صبرٌ بالله، وصبرٌ لله، وصبرٌ مع الله.

فالأوَّل: الاستعانة به، ورؤية أنَّه هو المصبِّر، وأنَّ صبر العبد بربِّه لا بنفسه، كما قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧]، يعني إن لم يصبِّرك هو لم تصبر.

والثاني١: أن يكون الباعث على الصَّبر محبَّة الله وإرادة وجهه والتقرُّب إليه، لا إظهار قوَّة النفس، والاستحماد إلى الخلق، وغير ذلك من الأغراض.

والثالث٢: دوران العبد مع مراد الله الدِّينيِّ منه، ومع أحكامه الدِّينيَّة، صابرًا نفسه معها، سائرًا بسيرها، مقيمًا بإقامتها، يتوجَّه معها أين توجَّهت ركائبها، وينزل معها أين استقلَّت مضاربها. فهذا معنى كونه صابرًا مع الله، أي قد جعل نفسه وقفًا على أوامره ومحابِّه. وهو أشدُّ أنواع الصبر وأصعبُها، وهو صبر الصِّدِّيقين.

قال الجنيد: المسير من الدُّنيا إلى الآخرة سهل هيِّن على المؤمن، وهجران الخلق في جنب الله شديد، والمسير من النفس إلى الله صعب

  1. (١) في ع زيادة: «الصبر لله، وهو».
  2. (٢) في ع زيادة: «من الصبر: الصر مع الله، وهو».
453

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي