سأصبر كي ترضى وأَتلَفُ حسرةًوحسبيَ أن ترضى ويُتلفني صبري
وقيل: مراتب الصبر١ خمسة: صابر، ومُصطبِر، ومتصبِّر، وصَبور، وصبَّار. فالصابر أعمُّها، والمصطبر: المكتسب الصبر المليء به، والمتصبِّر: متكلِّف الصبر حاملٌ نفسَه عليه، والصبور: العظيم الصبر الذي صبره أشدُّ من صبر غيره، والصبَّار: الكثيرُ٢ الصبرِ، فهذا في القدر والكمِّ، والذي قبله في الوصف والكيف٣.
وقال عليُّ بن أبي طالبٍ: الصبر مطيَّة لا تكبو٤.
ووقف رجلٌ على الشِّبلي فقال: أيُّ صبرٍ٥ أشدُّ على الصابرين؟ فقال: الصبر في الله. قال السائل: لا، فقال: الصبر لله؟ فقال السائل: لا، فقال:٦ مع الله؟ قال: لا، قال: فأيشٍ هو؟ قال: الصبر عن الله، فصرخ الشبليُّ صرخةً كادت روحُه تتلف٧.
وقال الجُرَيريُّ: الصبر أن لا يفرِّق بين حال النعمة وحال المحنة، مع سكون الخاطر فيهما. والتصبُّر هو السُّكون مع البلاء، مع وجدان أثقال
(١) ع: «الصابرين».
(٢) في النسخ عدا ع: «الشديد»، ولعل المثبت من ع أصح.
(٣) المؤلف بنى على ما ذكره القشيري (ص ٤٤١) عن أبي عبد الله بن خفيف أنه قال: «الصبر على ثلاثة أقسام: متصبر، وصابر، وصبار».
(٤) ذكره القشيري (ص ٤٤١)، ولم أجد من أخرجه.
(٥) ل، ش: «الصبر».
(٦) في ع زيادة: «الصبر».
(٧) أسنده القشيري (ص ٤٤١).
المحنة١.
قال أبو عليٍّ الدقَّاق: فاز الصابرون بعزِّ الدارين، لأنهم نالوا من الله معيَّته، فإنَّ الله مع الصّابرين٢.
وقيل في قوله: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾[آل عمران: ٢٠٠] إنَّه انتقالٌ من الأدنى إلى الأعلى، فالصبر دون المصابرة، والمصابرة دون المرابطة. والمرابطة مفاعلة من الربط وهو الشدُّ، وسمِّي المرابط مرابطًا لأنَّ المرابطين يربطون خيولهم ينتظرون الفزع، ثمَّ قيل لكلِّ منتظرٍ قد ربط نفسه لطاعةٍ ينتظرها: مرابطٌ، ومنه قول النبي ﷺ: «ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة؛ فذلكم الرِّباط، فذلكم الرِّباط»٣.٤
وقيل: اصبروا بنفوسكم على طاعة الله، وصابروا بقلوبكم على البلوى في الله، ورابطوا بأسراركم على الشوق إلى الله.
وقيل: اصبروا في الله، وصابروا بالله، ورابطوا مع الله٥.
(١) أسنده القشيري (ص ٤٤١).
(٢) ذكره القشيري (ص ٤٤١) سماعًا منه، وهو شيخه.
(٣) أخرجه مسلم (٢٥١) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) زاد في ع: «وقال: رباط يومٍ في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها». الحديث أخرجه البخاري (٢٨٩٢) عن سهل بن سعد، ولكن ذكره هنا في غير محلّه وليس من المؤلف قطعًا، فإنه ليس في صدد ذكر فضائل الرباط في سبيل الله، ولكنه يبين أن انتظار الطاعات غير الجهاد يسمَّى أيضًا: رباطًا.
(٥) هذا القول والذي قبله ذكرهما القشيري (ص ٤٤٢) بلا نسبة.