مدارج السالكين

المحنة١.

قال أبو عليٍّ الدقَّاق: فاز الصابرون بعزِّ الدارين، لأنهم نالوا من الله معيَّته، فإنَّ الله مع الصّابرين٢.

وقيل في قوله: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠] إنَّه انتقالٌ من الأدنى إلى الأعلى، فالصبر دون المصابرة، والمصابرة دون المرابطة. والمرابطة مفاعلة من الربط وهو الشدُّ، وسمِّي المرابط مرابطًا لأنَّ المرابطين يربطون خيولهم ينتظرون الفزع، ثمَّ قيل لكلِّ منتظرٍ قد ربط نفسه لطاعةٍ ينتظرها: مرابطٌ، ومنه قول النبي ﷺ: «ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة؛ فذلكم الرِّباط، فذلكم الرِّباط»٣.٤

وقيل: اصبروا بنفوسكم على طاعة الله، وصابروا بقلوبكم على البلوى في الله، ورابطوا بأسراركم على الشوق إلى الله.

وقيل: اصبروا في الله، وصابروا بالله، ورابطوا مع الله٥.

  1. (١) أسنده القشيري (ص ٤٤١).
  2. (٢) ذكره القشيري (ص ٤٤١) سماعًا منه، وهو شيخه.
  3. (٣) أخرجه مسلم (٢٥١) من حديث أبي هريرة ﵁.
  4. (٤) زاد في ع: «وقال: رباط يومٍ في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها». الحديث أخرجه البخاري (٢٨٩٢) عن سهل بن سعد، ولكن ذكره هنا في غير محلّه وليس من المؤلف قطعًا، فإنه ليس في صدد ذكر فضائل الرباط في سبيل الله، ولكنه يبين أن انتظار الطاعات غير الجهاد يسمَّى أيضًا: رباطًا.
  5. (٥) هذا القول والذي قبله ذكرهما القشيري (ص ٤٤٢) بلا نسبة.
457

وقيل: اصبروا على النعماء، وصابروا على البأساء والضراء، ورابطوا في دار الأعداء، واتقوا إله الأرض والسماء١ لعلَّكم تفلحون في دار البقاء٢.

فالصبر: مع نفسك، والمصابرة: بينك وبين عدوِّك، والمرابطة: الثبات وإعداد العدَّة. وكما أنّ الرِّباط لزوم الثغر لئلَّا يهجم منه العدوُّ، فكذلك المرابطة أيضًا لزوم ثغر القلب لئلَّا يهجم عليه الشيطان، فيملكه أو يُخربه أو يشعِّثه.

وقيل: تجرَّعِ الصبرَ، فإن قتلك قتلك شهيدًا، وإن أحياك أحياك عزيزًا٣.

وقيل: الصبر لله عناء٤، وبالله بقاء، وفي الله بلاء٥، ومع الله وفاء، وعن الله جفاءٌ. والصَّبر على الطلب عنوان الظَّفَر، وفي المحن عنوانُ الفَرَج٦.

  1. (١) «وقيل: اصبروا على النعماء ...» إلى هنا من ع، ولعله سقط من الأصل وغيره لانتقال النظر.
  2. (٢) أورده الثعلبي في «تفسيره» (٩/ ٥٩٧)، والمؤلف صادر عن مختصره «معالم التنزيل» (٢/ ١٥٧).
  3. (٣) «القشيرية» (ص ٤٤٢) بلا نسبة.
  4. (٤) في الأصل، ل، ش، ع بالغين المعجمة، وهو في بعض نسخ «القشيرية» كذلك. ولكن المؤلف شَرَحه في «عُدَّة الصابرين» (ص ٩٠) على ما أُثبت. وكذا شرحه زكريا الأنصاري في «إحكام الدلالة» (٢/ ٥٧٤).
  5. (٥) «وفي الله بلاء» ساقط من ل.
  6. (٦) «القشيرية» (ص ٤٤٢) بلا نسبة. وللمؤلف شرح للجملة الأولى في «عُدَّة الصابرين» (ص ٩٠ - ٩٢).
458

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي