مدارج السالكين

وقيل: حال العبد مع الله رباطه، وما دون الله أعداؤه١.

وفي كتاب «الأدب»٢

للبخاري: سئل رسول الله ﷺ عن الإيمان؟ فقال: «الصبر والسماحة». ذكره عن موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا سُوَيد، حدثنا عبد الله بن عبيد بن عميرٍ عن أبيه عن جدِّه فذكره.

وهذا من أجمع الكلام وأعظمه برهانًا، وأوعبه لمقامات الإيمان من أوَّلها إلى آخرها. فإنَّ النفس يراد منها شيئان:

- بذل ما أُمِرت به وإعطاؤه، فالحامل عليه السماحة.

- وترك ما نُهيت عنه والبعدُ منه، فالحامل عليه الصبر.

  1. (١) «القشيرية» (ص ٤٤٣) بلا نسبة.
  2. (٢) أي المفرد، وليس فيه. وإنما أخرجه القشيري (ص ٤٤٤) بإسناده ــ وفيه من لم أعرفه ــ عن البخاري عن موسى بن إسماعيل به. وهو في «التاريخ الكبير» (٥/ ٢٥) له، ولكن معلَّقًا من طريق آخر عن سويد به. وإنما أخرجه ابن أبي خيثمة في «تاريخه» (١/ ١٩٢ - السفر الثالث) عن موسى بن إسماعيل به.
    والحديث قد أخرجه أيضًا الطبراني في «الكبير» (١٧/ ٤٩) والحاكم (٣/ ٦٢٦) وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٣/ ٣٥٧) والبيهقي في «شعب الإيمان» (٩٢٦٢) من طريقين عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن أبيه عن جدِّه. وروي من طريق آخر عند البخاري في «التاريخ» (٥/ ٢٥) وغيره عن عبد الله بن عبيد عن أبيه مرسلًا، وهو أقوى. وقد رجَّح أبو حاتم المرسل في «العلل» (١٩٤١).
    وله شواهد من حديث عمرو بن عبسة، وعُبادة، وجابر، ومن مرسل الحسن؛ وهي لا تخلو من مقال، ولكن قد يرتقي الحديث بمجموعها إلى درجة الحسن. وانظر: «الصحيحة» للألباني (٥٥١، ١٤٩١، ١٤٩٥).
459

وقد أمر الله سبحانه في كتابه بالصبر الجميل والصفح الجميل والهجر الجميل١، فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ــ قدَّس الله روحه ــ يقول: الصبر الجميل٢ الذي لا شكوى معه٣، والصفح الجميل: الذي لا عتاب معه، والهجر الجميل: الذي لا أذى معه٤.

وفي أثرٍ إسرائيلي: أوحى الله إلى نبيٍّ من أنبيائه: أنزلت بعبدي بلائي فدعاني، فماطلته بالإجابة فشكاني، فقلت: عبدي، كيف أرحمك من شيءٍ به أرحمك؟!٥.

وقال ابن عيينة في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة: ٢٤]: أخذوا برأس الأمر فجعلهم رؤوسًا٦.

  1. (١) الصبر الجميل لم يأت مأمورًا به، وإنما ورد على لسان يعقوب ﵇: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]. وجاء الأمر بالصفح الجميل في قوله: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥]، وبالهجر الجميل في قوله: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠].
  2. (٢) «والصفح الجميل ... الصبر الجميل» من ع، ولعله سقط من الأصل وغيره لانتقال النظر.
  3. (٣) ع: «فيه ولا معه».
  4. (٤) انظر: «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٦٦٦).
  5. (٥) «القشيرية» (ص ٤٤٥).
  6. (٦) ذكره القشيري (ص ٤٤٥). وذكره ابن كثير في «تفسيره» عن ابن بنت الشافعي قال: قرأ أبي على عمِّي ــ أو عمي على أبي ــ سئل سفيان بن عيينة عن قول علي ﵁: «الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد»، فقال: ألم تسمع قوله تعالى ... فذكره.
460

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي